منذ الأسابيع الأولى لوصول جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة، كان واضحا اتفاق المراقبين على أن الطاقم القيادي الذي عينه، بدءا من وزير الدفاع لويد أوستن ونائبة الرئيس كامالا هاريس وصولا إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جاك سوليفان، لهم مواقف مناهضة بل وحادة من الرئيس السوري بشار الأسد.

وكنا نسمع هنا في واشنطن عما يمكن وصفه بحالة من الترقب الحذر بانتظار الخطوات الأولى التي ستتخذها الإدارة الأميركية وهل ستتجه لتبني استراتيجية مختلفة عن إدارة دونالد ترامب، وإن كان معظم الساسة في عالمنا العربي يعتقدون أنه بتغير الرؤساء الأميركيين لا يمكننا أن نجزم بحدوث تغييرات جذرية على صعيد السياسات الخارجية الأميركية باختلاف الرؤساء والأحزاب.

فالإدارات الأميركية على تنوعها تخضع لاستراتيجيات موحدة بعيدة المدى مرتبطة بمصالح قومية عليا ثابتة للبلاد، لكن كان لافتا أن بايدن خلال حملته الانتخابية ولقاءاته مع الجاليات الإسلامية في أميركا، عبر عن بالغ حزنه عما يعانيه الشعب السوري والروهنغيا وغيرهم، وتعهد برفع الظلم والجور عنهم، مستشهدا بالحديث النبوي الشريف: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".

نهاية الأسبوع كان لافتا ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" من مقال للكاتب جوش روغين، أعاد فيه محاولة البحث عن مفهوم وتصور استراتيجية بايدن المتوقعة في سوريا، حيث قال: "نصف عام مضى على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، من دون أن تتوصل بعد إلى استراتيجية لمعالجة النزاع في سوريا، الذي مضى عليه 11 عاما"، وكان الكاتب موفقا في وصفه النظام السوري بأنه "هش وغير كفء"، لكنه يحظى بدعم روسيا وإيران وصمد في وجه "التمرد" بقيادة المعارضة لمدة 10 سنوات، حيث إن النظام لا يسيطر على كامل البلاد، لكن المعارضة أضعف من أن تشن حملات لاستعادة الأراضي.

وخلص الكاتب إلى أن "المصالح الأميركية ترتبط الآن بهدفين مزدوجين: زيادة المساعدة الإنسانية والاحتفاظ بالتواجد العسكري الأميركي لمحاربة "داعش"، لكنه أغفل الصراع الأميركي الروسي على نقاط أخرى، حيث إن الموقف الروسي متمسك بأن دمشق حكومة ذات سيادة لسوريا، وبالتالي فإن الأمم المتحدة يجب أن تقدم المساعدة فقط من خلال عاصمة البلاد، ولا ننسى هنا ان إدارة بايدن أفرجت عن 50 مليون دولار كمساعدة لتحقيق الاستقرار، كانت مجمدة خلال إدارة ترامب، وستنفق بشكل أساسي في شمال شرقي سوريا.

هذا التمويل يضاف إلى 600 مليون دولار هي للإنفاق الإنساني لكل سوريا، بما في ذلك اللاجئون في البلدان المجاورة، ومهما يكن من أمر فأن إدارة بايدن كانت قد أوضحت لموسكو صراحة أنها تنوي البقاء في سوريا، وأرسلت وفدا رفيع المستوى للقاء قيادة قوات سوريا الديمقراطية لنقل قرارات السياسة الأميركية، كما قررت الإدارة الاحتفاظ بقوات برية وقاعدة سلاح الجو الأميركي لدعم قوات سوريا الديمقراطية، لكن تغير الوضع بعد العمليات التركية في شمال شرق سوريا في أكتوبر 2019، مما أدى إلى انسحاب "متسرع" للولايات المتحدة من المناطق الحدودية، وتحرك روسي لملء فراغ القوات الأميركية في المواقع التي انسحبت منها، حيث أصبح الأميركيون والروس الآن قريبين من بعضهم بعضا، بطرق تختلف اختلافا كبيرا عما قبل أكتوبر 2019.

هذه المواقف الأميركية رأت المعارضة السورية أنها محدودة وغير كافية على الإطلاق، فبعد حل مسألة المساعدات الإنسانية سارع الجيشان السوري والروسي إلى تنفيذ أعمال عنف وعدوان ضد المدنيين في إدلب، وحصار شديد على درعا التي تعود اليوم إلى سيرتها الأولى وتجدد إرهاصات الثورة السورية، واختصارا يمكننا القول إن الإدارة الأميركية تركز حاليا على الوضع الإنساني في سوريا، وترى أن مستويات العنف المنخفضة نسبيا تستحق محاولة الحفاظ عليها، كما أنها متفائلة بحذر بوجود فرصة لمزيد من المفاوضات بينها وبين روسيا بشأن سوريا، لكن تلك الاستراتيجية يظهر بوضوح أنه لم يتم تحديدها بعد، فإدارة بايدن لم تعيّن بعد ممثلا خاصا لسوريا، وهو ما يعطي إشارة واضحة بأن سوريا ليست على قائمة أولويات الرئيس الأميركي.

وهنا يمكننا القول إنه وفي خضم تعدد المصالح الأجنبية في سوريا، فإن المهمة العسكرية الأميركية قد تكون لها أهداف واسعة تتجاوز بكثير قتال "داعش"، وأهمها فحص النوايا الروسية، وفي هذه النقطة يجب التوقف عندما نقلته مجلة "بوليتيكو" عن ويل تودمان الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذي قال إن وجود القوات الأميركية يمنع الحكومة السورية المدعومة من روسيا من الوصول إلى حقول النفط والموارد الزراعية في شمال شرق سوريا، ويعمل على إعاقة هدف إيران المتمثل في إنشاء ممر جغرافي يربط بين طهران ولبنان والبحر المتوسط.

وأوضح تودمان أن "الحفاظ على القدرة على عرقلة الجهود الإيرانية لنقل الأسلحة إلى سوريا جزء مهم من الوجود الأميركي هناك، فإيران تستفيد من عدم الاستقرار المستمر".

خلال هذه الساعات أعلنت اسرائيل عن بدئها مناورات على الحدود اللبنانية، كما أعلنت فرنسا والولايات المتحدة أن الرد على قصف إيران لأحدى السفن سيرد عليه سريعا، ولا شك أن لكل التداعيات المقبلة تأثير مباشر وغير مباشر على الداخل السوري، فقد يكون هناك تدخل عسكري أميركي قصير يمكن أن يغير حسابات موسكو وبشار الأسد، وقد تكون هناك عقوبات جديدة تستهدف السوريين المتورطين بجرائم حرب والشركات التي تدعمهم، ولن تستطيع الولايات المتحدة ولا غيرها إعادة الأسد إلى المجتمع الدولي في وقت قريب.

في خلاصة الكلام يمكننا القول إن الإدارة الأميركية ليس لديها الآن أي خطط لإجراء أي تغييرات على العملية العسكرية الأميركية في سوريا، وهي تمضي بمراجعة للسياسة تبدو بلا نهاية، لكن في حكم المؤكد أن إدارة بايدن ستستمر في تطبيق قانون قيصر عبر فرض حزم إضافية من العقوبات بموجبه، وربما تذهب لجهة توسيعها لتشمل النشاط العسكري للنظام للحد من تفكيره بالإقدام على مزيد من العمليات العسكرية ضد مناطق سيطرة المعارضة، وستبقى استراتيجيتها غير واضحة المعالم، فلا هي أرادت حسم مصير النظام مع قدرتها على ذلك، ولا هي قبلت استمرار سوريا كدولة فاشلة لعلمها أن ذلك سوف تترتب عليه تداعيات خطيرة في مقدمتها استمرار معاناة الشعب السوري وتدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى الدول المجاورة، وتوفير أرضية خصبة للمنظمات الإرهابية المتطرفة واحتمال عودة الاشتباكات المسلحة بين أطراف النزاع، وقضايا كثيرة أخرى لا بد لها أن تحسم في استراتيجية أميركية واضحة تجعل منها القطب الحاسم في أي صراع داخل شرقنا الأوسط.