تنوعت الحروب في القرن الحادي والعشرين، ولم تعد فقط كما اعتدنا كقتال جيوش دول تتنازع الحدود مقاومة لغزو أو بهدف احتلال.

والحقيقة أنه منذ نهاية القرن الماضي ونحن نقرأ ونسمع عن الحرب التجارية والاقتصادية ثم الحرب الرقمية. طبعا تظل هناك الحروب الأهلية (داخل الدول) والحروب الانفصالية وغيرها من أشكال الحرب التقليدية. وما زلنا بانتظار حرب النجوم (من أفلام السينما للواقع في الفضاء).

لكن القنال الإنجليزي كاد يشهد هذه الأيام "حرب الأسماك" بين بريطانيا وفرنسا مع إرسال كل بلد منهما قطعتين حربيتين من أسطولها إلى شواطئ جزيرة جيرسي.

وجزيرة جيرسي، التي تتمتع بوضع قانوني "أوفشور" خاضعة للسيادة البريطانية مثل بقية جزر القنال، لكنها قريبة جدا من ساحل غرب فرنسا (تبعد 14 ميلا فقط عن فرنسا) وبعيدة عن بريطانيا (على بعد 85 ميل جنوب ساحل بريطانيا). لذا اعتادت أساطيل الصيد الفرنسية صيد الأسماك في المياه المحيطة بجزيرة جيرسي على مدى نحو نصف قرن كانت بريطانيا فيها ضمن الاتحاد الأوروبي.

خرجت بريطانيا نهائيا من أوروبا مطلع هذا العام (بريكست)، لكن اتفاقية الخروج لم تحسم موضوع حقوق الصيد في المياه المشتركة بين بريطانيا ودول أوروبا.

ولإتمام الخروج في موعده، تم التوصل لترتيب مؤقت ينتهي في ،2026 وبعدها يتم الاتفاق سنويا على حقوق الصيد بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي.

يقضي الترتيب المؤقت بالسماح لأساطيل الصيد الأوروبية بالصيد في المياه البريطانية، لكن بعد الحصول على تصريح يتطلب تقديم ما يثبت أنها تعمل تاريخيا في تلك المنطقة.

مؤخرا، لم تمنح جزيرة جيرسي تصاريح لعشرات سفن الصيد الفرنسية لأنها لم تستكمل المستندات المطلوبة، فقامت قوارب الصيد الفرنسية بمظاهرة سلمية تقريبا أوقفت الملاحة في الميناء الرئيسي لجزيرة جيرسي. وهددت وزيرة المصايد الفرنسية بقطع الكهرباء عن جيرسي، التي تحصل على 95 بالمئة من الطاقة من فرنسا عبر 3 كابلات بحرية.

وخشية استمرار اغلاق الميناء يوم الخميس، طلبت السلطات في جيرسي من الحكومة البريطانية القيام بواجبها (حيث على لندن الدفاع عن جيرسي باعتبارها ضمن سيادتها).

أرسلت البحرية البريطانية فرقاطتين إلى سواحل جيرسي، فأرسلت فرنسا فرقاطتين أيضا "لحماية مواطنيها في البحر"، ومع أن الأمر لم يتطور إلى حرب - حتى الآن - فإن التوتر ما زال قائما. ويذكر الوضع بما سميت "حرب الاسكالب" في 2018 حين تصاعد التوتر بين قوارب الصيد البريطانية والفرنسية في صيف ذلك العام في مناطق صيد محار الاسكالب في خليج السين على ساحل فرنسا الغربي.

صحيح أنه حتى الآن لم يحدث أي عنف، مثلما حدث في "حرب القد" بين بريطانيا وأيسلندا في بحر الشمال التي امتدت من 1958 إلى 1976 وتخللتها صدامات مسلحة بين قوارب الصيد البريطانية والأيلسندية وتدخلات من سلاح البحرية لحماية الصيادين.

ورغم أن صيد السماك لا يمثل أهمية اقتصادية كبيرة، بالمقارنة بحجم التعاملات بين بريطانيا وأوروبا، فإن حقوق الصيد اعتبرت مهمة جدا سياسيا، خاصة أن حكومة بوريس جونسون جعلتها رمزا لاستعادة "السيادة" البريطانية بالخروج من الاتحاد الأوروبي، كما أن الموقف الفرنسي من حقوق الصيد خلال مفاوضات اتفاق بريكست كادت تنسف الاتفاق، ولهذا أرجئ الاتفاق النهائي بشأنها كي لا تخرج بريطانيا من أوروبا بدون اتفاق.

وما زال على بريطانيا التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن قضايا لم تحسم في الاتفاق، أكثر أهمية من حيث القيمة المالية والاقتصادية، منها على سبيل المثال ترتيبات قطاع الخدمات المالية، الذي لم يحسم في اتفاق بريكست ويهدد بخسارة حي المال والأعمال في العاصمة البريطانية تداولات بتريليونات الدولارات.

لكن حقوق الصيد ستظل شائكة في كل موسم، ولن يقتصر الأمر على الصيادين الفرنسيين بل هناك الإسبان والهولنديون وغيرهم ممن تصيد أساطيلهم تقليديا في بحر الشمال والقنال الإنجليزي، أضف إلى ذلك أن قطاع الصيد البريطاني أغلبه في اسكتلندا، ويشعر الصيادون الاسكتلنديون بأن الحكومة في لندن لم تحقق لهم ما وعدت به بعد بريكست. فقد تعقدت أكثر قدرتهم على تصدير صيدهم لأوروبا كما كانوا يفعلون بسهولة حين كانت بريطانيا عضوا في الاتحاد.

وما يجعل الأمر شائكا أكثر لحكومة جونسون، أن اسكتلندا تريد اجراء استفتاء ثان للانفصال عن المملكة المتحدة ويمكن للحزب القومي الاسكتلندي الحاكم في الإقليم أن يستغل مسألة حقوق الصيد في الدعاية للتصويت بالانفصال.

كل ذلك يزيد الضغط على لندن لاتخاذ مواقف متشددة، وتعلم فرنسا بتلك الضغوط فتتشدد أيضا. إنما الأرجح أن تحل مشكلة تصاريح قوارب الصيد الفرنسية لتفادي حرب أسماك في القنال الإنجليزي.