في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا تعد الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح أي من الحزبين – الجمهوري والديموقراطي – في ولاية "أيوا" مؤشرا قويا على من سيفوز بالترشيح.

مع ذلك، فالفارق بين الرئيس السابق دونالد ترامب وبقية منافسيه على الترشيح عن الحزب الجمهوري يشير بوضوح إلى أنه هو المرشح المرجح الذي سيواجه الرئيس الحالي جو بايدن مرشح الحزب الديموقراطي في انتخابات نهاية العام.

رغم القضايا التي يواجهاا الرئيس السابق، وبعضها صحيح وقد يدان فيها، إلا أنه يبدو حتى الآن المرشح المفضل ليس لنصف الناخبين الأميركيين فقط بل ربما أكثر وبالتالي فاحتمالات فوزه بالرئاسة اكبر من الرئيس الحالي. هناكعدة عوامل مشتركة بايدن وترامب، مثل أن المرشحين من كبار السن وكليهما خدم فترة رئاسية واحدة واتفاقهما على بعض الأهداف مثل مكانة أميركا العالمية وشعارات تحسين الأوضاع المعيشية للأميركيين ودعمهما المطلق لاسرائيل .. الخ.

إنما تتباين مواقف الناس تجاههما لتصرفهما خلال وجودهما في البيت الأبيض. ففترة رئاسة ترامب تميزت بما يمكن وصفه "أعمال الاستعراض" بغض النظر عن النتائج، أما فترة رئاسة بايدن فتميزت بما يمكن وصفه "الموت البيروقراطي". حتى وإن كانت سياسات الديموقراطيين مكنت الاقتصاد الأميركي من تجاوز أزمة وباء كورونا وجعلت الشركات الأميركية تستفيد من حرب أوكرانيا بمكاسب هائلة من أوروبا. فضلا عن الدعم المباشر للأسر الأميركية الذي حافظ على الانفاق الاستهلاكي قويا وجعل الاقتصاد يتفادى الركود.

أما سياسة ترامب الاقتصادية، إن كان هناك "سياسة" أصلا، فتميزت بالشعارات الشعبوية دون أي اجراءات حقيقية وإنما ترك الاقتصاد لعوامل مرونته التقليدية ودون أي حماية اجتماعية للفئات الأكثر عرضة للخطر. وذلك بالطبع يغري الأسواق ويسهم في انتعاشها، خاصة اسواق السهم والمشتقات المالية. ويغزي ذلك الفكرة التقليدية عن "الحلم الأميركي" بأن كل شخص يمكن أن يصبح "مليونيرا" حتى لو كانت النتائج العملية على الأرض زيادة معدلات الفقر وتدهور مستوى المعيشة لقطاعات واسعة من الأميركيين.

هكذا، نجد أغلب استطلاعات الرأي على مدى الأشهر الماضية تمنح ترامب وضعا أفضل بكثير من نحاية قبول الناخبين الأميركيين به كأفضل من يدير الاقتصاد. في حين تتدهور نسب تأييد السياسات الاقتصادية لبايدن باضطراد. ربما إذا أجريت تلك الاشتطلاعات على الاقتصاديين تكون النتائج مختلفة لصالح إدارة بايدن، لكن استطلاعات الرأس تجرى على المواطنين وهم الأهم في الانتخابات.

صحيح أن استطلاعات الرأي، في أميركا وغيرها، في السنوات الأخيرة لم تعد مقياسا دقيقا لتوجهات الناخبين ولطالما جاءت نتائج التصويت عكس توقعاتها في أكثر من حالة لكنها تظل أحد المؤشرات على أن فرص ترامب أفضل من فرص بايدن. ومما يعزز ذلك التوقع أن الأميركيين خبروا بالفعل طريقة إدارة الرجلين للبلاد، وبالتالي لا يتوقعون مفاجآت تغير من رأيهم.

ثم هناك عامل مهم لا يمكن اغفاله، وهو أنه في أغلب الديموقراطيات الغربية هناك شريحة لا يستهان بها من المواطنين تصوت احتجاجا على الإدارة الموجودة في السلطة فقط على اعتبار أن التغيير سيكون للأفضل. وبالطبع تذهب أغلبية تلك الأصوات الاحتجاجية لصالح المرشح المنافس. وإن ظل بالطبع هناك قاعدة انتخابية لكل من الحزبين تصوت على أساس حزبي بغض النظر عن المرشح. إلا أن هذه القواعد الحزبية تآكل في السنوات الأخيرة.

ثم هناك عامل آخر يلعب لصالح المرشح الجمهوري وهو احتمال انصراف قدر كبير من الأصوات التي يعتبرها الديموقاطيون مضمونة. فسياسة إدارة بايدن في الفترة الأخيرة، خاصة في الشرق الأوسط، جعلت القدر الأكبر من الأقليات مثل المسلمين والملونين الذين يصوتون تقليديا للحزب الديموقراطي يبتعدون عن إدارة بايدن. ربما لا يصوت هؤلاء للجمهوريين، الذين تتصاعد في حزبهم تيارات اليمن المتطرف المعادي للأقليات والمهاجرين، لكنهم لن يصوتوا أيضا لمرشح الديموقراطيين وخسارة بايدن لهم مكسب لترامب حتى لو لم يصوتوا له.

كل تلك العوامل هي الأمور الداخلية الأهم للناخب الأميركي والتي غالبا ما يصوت على أساها غير معني كثيرا بالسياسة الخارجية طالما كانت بعيدة عن الاقتصاد والتجارة ولا تؤثر في متطلبات حياته اليومية. لكن ما يهم العالم خارج الولايات المتحدة، وإن كان غير مؤثر كثيرا في اتجاهات التصويت الأميركية، لا يمكن اغفاله أيضا.

في صيف عام 2016، اي قبل حسم مرشحي الحزبين في الانتخابات التي جاءت برتامب إلى البيت الأبيض، كتبت مقالا بالانجليزية بعنوان "لماذا ترامب" عددت فيه أسباب توقع أن يكون مرشح الجمهوريين أمام هيلاري كلينتون مرشحة الديموقراطيين المحتملة وأن يفوز في الانتخابات وهو ما حدث فعلا في الواقع.

من بين أهم الأسباب التي ذكرتها وقتها، وما زال صالحا اليوم أيضا، هو أن دونالد ترامب لم يسبق له أن شغل منصبا عاما في أميركا، اي أنه من خارج "المؤسسة" تماما وسيكون اختياره ونجاحا تصويتا احتجاجيا من الجماهير على "المؤسسة" – اي السلطة بكل أبعادها من إدارة حكومية وقوى سياسية تقليدية.

وإذالا كانت "المؤسسة" دفعت بأحد عناصرها المخضرمين، السيناتور السابق ونائب الئريس السابق جو بايدن، للحكم في 2020 فإن التجربة لم تؤت ثمارها بين الجماهير. بل على العكس، كسب ترامب تأييدتا أقوى بين قاعدته الصلبة وتعاطفا من شرائح أخرى على اعتبار أنه "ضحية تآمر المؤسسة".

ذلك داخليا بين الأميركيين، أما بالنسبة للعالم فإن دونالد ترامب كما كان التوقع قبل نحو ثماني سنوات هو الممثل الأفضل للأميركيين حاليا حيث التوجه الصاعد بينهم هو التشدد اليميني إلى حد العنصرية تقريبا والشعبوية السياسية. ومن الأفضل للعالم أن يتعامل مع رئيس أميركي يعكس حقيقة مواقف واشنطن بدون شعارات فارغة وانشاء لغوي لتغليف المواقف المتطرفة برقاقة ليبرالية مفتعلة.