تتسم محاولات تركيا لتحسين علاقاتها مع الدول العربية بمزيج من الصلف والتودد، وهي سمة إخوانية مما يميز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجماعته الحاكمة. وبغض النظر عن انتهازية أردوغان، واستعداده لبيع علاقته بالإخوان في أي لحظة كما فعل من قبل في علاقته بكل من تحالف معهم من إيران إلى أميركا، إلا أن ما يتبناه من أساليب الإخوان صعب أن يتركه.

ليس لدى أردوغان ما يقدمه للدول الخليجية والعربية التي اتخذت موقفا من تدخلاته ودعمه للإرهاب سوى الجانب الأمني، وتحديدا المتعلق بداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية التي تتعامل معها أجهزته الاستخبارية – وكلها فروع عملياتيه للإخوان وتنظيمهم الدولي. لذا لا تزيد التعاملات مع نظامه من قبل الدول العربية المعنية عن لقاءات أمنية واستخباراتية. وحتى في هذا السياق لا يؤتمن أردوغان، كأي اخواني، فيما يقدم ولا شك أن من يتعاملون معه على دراية وحذر من ذلك.

إنما هم أردوغان الأساسي أنه خسر حليفي مرحلة كانا يعينانه على مخططاه العدائية والتوسعية، وأصبح بالفعل في ركن ضيق. أولا، الحليف الذي يشببه وهو إيران لم يعد بحاجة إليه مع استعداد الإدارة الأمريكية الجديدة للتفاوض المباشر مع طهران. كما أن الفرس يعرفون انتهازية أردوغان التي طالما استفادوا منها أحيانا وتضرروا منها أحيانا. ويتصور أردوغان أنه ما زال بإمكانه الاحتيال حين يرسل رسائل للمنطقة بأنه يفك ارتباطه بإيران، وكأنه بذلك "يجامل" دول الخليج. بينما الجميع يدرك أن إيران لم تعد بحاجة إليه، وحتى في موضوع سوريا ومحاولته الإيحاء بأنه رقم مهم فيها لا يعتبر ذلك في مقابل النفوذ الإيراني هناك. واعتماده على البراغماتية الروسية ليس بالضرورة مقدمة لأن روسيا ستفضله على حلفائها الآخرين، بل هي كلها مناورات.

أما هدف أردوغان الأساسي فهو الحصول على "غض طرف" عربي على احتلاله أجزاء من سوريا وتدخله السافر في شمال العراق. فهو يدرك تماما أن الإيرانيين، الذين أقروا باحتلاله أجزاء من سوريا، لم يعد لهم ذلك النفوذ القوي هناك وأن الجهود العربية المضطردة لاستعادة سوريا إلى الحاضنة العربية هي مشكلته الآن.

الأمر نفسه مع ليبيا، فهو يدرك أن التسوية الأخيرة في ليبيا لن تكتمل إلا بسحب إرهابييه الذين جلبهم إلى هذا البلد في شمال افريقيا. ولن يتوانى العرب عن الضغط لإخراج القوات الأجنبية من ليبيا ووقف التدخل التركي. ومرة أخرى، فقد أردوغان ذلك التساهل الأميركي مع تدخله العسكري في ليبيا ونقله للإرهابيين إليها.

من السهل على أردوغان التخلي عن عناصر التنظيمات الإرهابية لديه، خاصة من تنظيم الإخوان، وكأنه يلبي طلبا مصريا وخليجيا. لكن ذلك لا يخفى على أحد، ولن يقبل أحد أن يكون ذلك مقابل دعم أردوغان في عزلته وتخلي الحليف الأميركي عنه والقبول باحتلاله أراض عربية وتدخله السافر في دول تمثل عمقا أمنيا للمنطقة.

بالطبع هناك فوائد مباشرة يسعى أردوغان للحصول عليها، تتمثل في مليارات الدولارات من تجارة واستثمار مع دول المنطقة. ويلاحظ أنه رغم كل الحديث من جانب الإعلام التركي ومنافذ الإخوان وأنصارهم عن "التقارب" واحتمالات "التعاون" أن السلطات السعودية مثلا لم تعلق حتى الآن على المقاطعة الشعبية للبضائع التركية. وهذا أمر لا يستهان به، إذ أنه حسب أرقام تركيا الرسمية هوت الصادرات التركية للسعودية العام الماضي بنسبة تصل إلى 95 في المئة. ومما يثير جنون أردوغان، أن هذا التراجع في الواردات السعودية من تركيا قابله زيادة مماثلة تقريبا في الصادرات المصرية للسعودية.

أضف إلى ذلك أن البرود الذي تعاملت به إدارة الرئيس جو بايدن أردوغان، واستغناء إيران عن خدماته، جعله محصورا ايضا في منطقة شرق المتوسط حيث تجري عمليات استكشاف واستخراج الغاز الطبيعي. ولم تفلح محاولاته للانضمام لمنتدى شرق المتوسط. لذا استشاط أردوغان هوسا حين ذهبت الطائرات السعودية إلى جزيرة كريت للقيام بمناورات مشتركة مع القوات اليونانية. وظهر أردوغان على حقيقته، التي تخالف تصريحاته هو ومسؤوليه المتوددة تجاه المنطقة، وصرح غاضبا أنه ما كان لهذه المناورات أن تحدث. ومرة أخرى يلجأ للصلف بتصوره أن بمقدوره أن يقول لبلد ذي سيادة ماذا عليه أن يفعل وماذا لا يجب أن يفعل!!

صحيح أنه في السياسة لا توجد تحالفات دائمة ولا خلافات أبدية، وإنما هناك مصالح تتطلب تغييرات تكتيكية. لكن المهم أنه حتى في ظل التحرك العملي على ضوء المصالح أن ينتبه كل من يتعامل مع أردوغان على أنه أخطر من الإخوان. فاذا كان لا أمان لإخواني، فلا أمان لأردوغان أكثر.