بغض النظر عن الفائز في انتخابات الرئاسة الأميركية، أكدت تلك الانتخابات منحى مهم تشهده الولايات المتحدة منذ الفترة الرئاسية الثانية لجورج بوش الابن. لاحظ العالم ذلك في إستراتيجية "فك الارتباط" مع الخارج، لكن بالتوازي مع ذلك كان هناك تطور داخلي يقرب أميركا من بقية دول العالم ويأكل من تميزها وريادتها.

وصل ذلك إلى قمته في يوم الانتخابات، فبينما كان العالم يتابع صور التصويت وشاشات المعلقين والمحللين وحوائط الفيديو ذات الرسوم البيانية ومنحنيات التوقعات، كانت هناك صور أخرى أهم وأكثر دلالة.

في كل شوارع نيويورك وواشنطن وغيرها من مدن أميركا الرئيسية كانت نوافذ المحلات يتم تغطيتها بالألواح الخشبية تحسبا لأعمال عنف وشغب ستعقب الانتخابات، صور لم تعرضها كثير من الشاشات، ولا حتى الصحف أو مواقع التواصل، لكنها حقيقة دامغة على أن شوارع مدن أميركا أصبحت تشبه شوارع أي مدينة في دولة من دول العالم الثالث، تفت في مجتمعها عوامل الفرقة والتنابذ والصراع العنيف.

لم تحدث أعمال الشغب واسعة النطاق حتى بعد يومين على الانتخابات وتأخر إعلان النتائج، لكن ألواح الخشب ما زالت تغطي الواجهات، إنما مجرد تحسب الأمريكيين لأمر ما كانوا يفكرون من قبل أنه يمكن أن يحدث في قائدة العالم الحر ورائدة الديمقراطية في العالم، يدل على أن تغيرا عميقا يحدث في ذاك البلد، ومع أن البعض قد يروقهم تحميل رئاسة دونالد ترامب الأولى تبعة ذلك، فالحقيقة أنه تغير يحدث من قبل ترامب بسنوات، لكنه وصل قمته مع يوم الانتخابات.

مشاهد كثيرة في تلك الانتخابات وما بعدها تحدث لأول مرة في أميركا، وربما يعرفها كثيرون في العالم الثالث ومنذ عقود طويلة، لكن كان من الصعب تصور حدوثها في أميركا. ولا يقتصر الأمر على تظاهر مناصرين لأحد المرشحين بالسلاح أمام مقرات فرز الأصوات، ولا تهديد آخرين بالعنف ما لم يعلن فوز مرشحهم في هذه الدائرة أو تلك.

بل للمرة الأولى أيضا، وهذه ليست ريادة انتخابية، فقد سبقت أميركا أغب دول العالم الثالث ومنذ عشرات السنين، تسمع في أميركا عن "تصويت الموتى في الانتخابات". لم يكن ذلك مجرد نظريات مؤامرة تروج على الإنترنت وفي مواقع التواصل، بل اتهامات رسمية من حملة أحد المرشحين، بل وصل الأمر إلى المحاكم، إشارة إلى الغش والتجاوزات في عمليات التصويت والفرز.

دعاوى قانونية تتهم السلطات بتزوير سجلات الانتخابات في بعض المناطق، حيث الأصوات التي تفرز فيها أكثر عددا من الناخبين المسجلين. ونعرف ذلك منذ عقود في بلاد أقل ديمقراطية، وهو ما يعرف بعملية "الصناديق الإضافية المدسوسة" لصالح مرشح ما.

ليس هذا فحسب، بل إن مسؤولا كبيرا في حملة أحد المرشحين خرج على وسائل الإعلام الأميركية يتهم المرشح الآخر باستخدام ما يعرف في انتخابات بعض بلداننا بوصف "البطاقة المكررة"، أو "الصوت الدوار". وذلك ببساط أن يقوم شخص واحد بالتصويت عدة مرات لزيادة الأعداد لمرشح ما.

وقال محامي المرشح الرئاسي الأميركي بالنص: "يمكنه أن يصوت 60 مرة، بل ربما 5 آلاف مرة".

وسواء كانت تلك الاتهامات صحيحة أم لا، وهو أمر يحسمه القضاء الأميركي في حال قبوله الدعواى بشأنها، فالمهم هو مجرد ظهورها والحديث عنها رسميا. صحيح أن الانتخابات في أميركا، كما في بقية الديمقراطيات الغربية، تدار حملاتها بطرق قد لا تختلف كثيرا عن بقية بلدان العالم وحتى تلك الموصوفة بأنها "عالم ثالث"، لكن تصويت الموتى وتزوير قوائم الناخبين ودس الصناديق والتزوير الفج بتصويت شخص أكثر من مرة لم تكن من قبل من بين علامات الريادة الانتخابية في الديمقراطية الأميركية.

يتحدث المحللون والمعلقون مطلقين تعبيرات نمطية عن "انقسام المجتمع الأميركي"، وعن "الشروخ التي لن تلتئم على المدى الطويل"، وغيرها من التغيرات الاجتماعية/السياسية في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، لكن أهم مظاهر هذا التغير الجذري هي تلك الممارسات التي يجري الحديث عنها في انتخابات 2020.

لا يعني ذلك أن الانتخابات كوسيلة أساسية من وسائل الديمقراطية التمثيلية ستتراجع إلى حد تخلي الناس عنها، فهناك بلاد تشهد تلك الممارسات الانتخابية منذ عقود طويلة، وما زالت تجرى فيها الانتخابات على كافة المستويات، مع ملاحظة أن تلك الممارسات "تحدث" في تلك البلدان، وليس فقط يثار حديث عنها كما هو الحال في أميركا الآن.

لكن التغير الواضح هو أن أميركا ستفقد ميزة مهمة هي أن تحاضر بقية العالم حول الشرعية السياسية والممارسات الديمقراطية ومبادئ الحرية. صحيح أن القوة الأميركية ستظل تعطيها ميزة فرض وجهة نظرها، لكن قدرتها على ضرب المثل وأن تكون نموذجا تتراجع، أو كما يقول المثقفون: "تفقد التميز الأخلاقي" الذي يعطيها الحق في وعظ العالم حول المثل والقيم ومبادئ حقوق الإنسان.