يزدهرُ هذه الأيام عراقياً استخدام مصطلح "الفتنة" والتحذير من "إشعال فتيلها" الذي" يمكن أن يحرق الأخضر واليابس" وسواها من التنويعات اللغوية السائدة في خطاب ساسة ومحللين عراقيين عند تعاطيهم مع المواجهة الحالية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي.

يمثل هذا الاستخدام التراثي لتوصيف مشكلة غير تراثية أحد الالتفافات العراقية المألوفة على المشاكل الحقيقية عبر إحالتها، كما في الفهم الديني للفتنة، إلى فعل "الشيطان" أو تحويراته وامتداداته المطاطية الكثيرة والمفتوحة حسب الحاجة كما في افتراض فاعلين أشرار مخفيين يهدفون إلى اختبار إيمان "المؤمنين" ووحدتهم في إطار تضليلهم لحرفهم عن "الطريق القويم" من خلال تأليب بعضهم على البعض الآخر!. بالطبع، لا يمكن لهذا التزييف الميتافيزيقي المعتاد للوعي العام في عراق ما بعد 2003 أن يمنع الكثيرين من رؤية الحقيقة: صراع واضح ومباشر على السلطة بين طرفين معروفين، لا علاقة له لا بالشيطان ولا بفاعلين أشرار متخفين يريدون الإيقاع بين المختلفين.

في العراق، عادةً ما يُتهم "الشيطان" بالأفعال السيئة التي يقترفها ساسة ويصرون عليها ويواصلون الاستفادة منها.

تكمن المشكلة الحقيقية في البلد في فشل المؤسسات في استيعاب الصراعات السياسية وتنظيمها وحلها تالياً عبر الأدوات القانونية والآليات الدستورية.

كان هذا الفشل واضحاً من البداية بعد إمرار الدستور في خريف 2005، بوصف هذا الدستور عقداً اجتماعياً مُصادقاً عليه شعبياً يعمل كناظم للحياة السياسية.

مرت تجربة كتابة الدستور بمخاضات صعبة وتضحيات مؤلمة على مدى نحو عام منذ تخلي الأميركان التدريجي في 2004 عن فكرتهم الأصلية، والصحيحة، أن تكتب هذا الدستور لجنة مختصة قبل إخضاعه لنقاش شعبي وسياسي عام، ثم عرضه على الشعب للتصويت عليه في إطار ترتيبات أطول زمنياً وأكثر تدريجية لانتقال السلطة الكامل من الأيادي الاميركية الى الأيادي العراقية.

جاء هذا التخلي الأميركي رداً على التحشيد الشعبي المتصاعد الذي بدأته القوى السياسية الاسلامية الشيعية، وقادته المرجعية الدينية في النجف، تحت يافطة أن يتولى عراقيون منتخبون كتابة الدستور الأمر الذي تطلب إجراء انتخابات مبكرة، في بداية عام 2005، لانتخاب الجمعية الوطنية التي كان عليها أن تكتب مسودة الدستور.

ليس صحيحاً ولا منطقياً أن يكتب مسودة الدستور ساسة متصارعون في أجواء انقسام اجتماعي وسياسي خطير في البلد كانوا هم أنفسهم أحد عوامل تغذيته عبر إثارة مخاوف هوياتية، مذهبية وإثنية، وفي إطار سريع زمنيا، لا يتجاوز بضعة أشهر مشحونة بالاتهامات والشكوك والعنف الإرهابي الذي كان يتم تفسيره واستثماره طائفياً في الصراع السياسي الدائر حينها.

لكن رغم كل هذا التسرع والأخطاء الفادحة في التفكير والتنفيذ التي أنتجت في آخر المطاف دستوراً خلافياً كُتب باستعجال ليُمَثل إرادة القوى السياسية المهيمنة وليس إجماعاً شعبياً حقيقياً، كانت ثمة لحظات وجهود عاقلة ساهمت في وقف الاندفاعات الأيديولوجية والحماسية، المُهيمنة حينها على كثيرين والساعية لتحويل عملية كتابة الدستور إلى صراع كسر إرادات.

كانت إحدى هذه اللحظات الاتفاق الذي صيغ في الأيام الأخيرة قبل الاستفتاء على مسودة الدستور في 15 أكتوبر 2005 لغرض إنهاء المقاطعة السنية للاستفتاء بعد غياب الساسة السنة فعلياً عن المشاركة، إذ كان حضورهم في عملية الصياغة متأخراً وشكلياً بحيث لم تتضمن المسودة الأفكار التي تبناها هؤلاء الساسة بخصوص شكل وطبيعة العراق المقبل في ظل الدستور المقترح.

هذا الاتفاق، الذي نَعته رئيس الجمهورية وقتها، جلال طالباني، باتفاق "تحقيق الإجماع الوطني" وتم تحت ضغوط اميركية ودعم المرجعية الدينية في النجف، سَمح بإضافة المادة 142 للدستور مقابل تخلي القوى السنية عن مقاطعة الاستفتاء وحث جمهورها على المشاركة فيه والتصويت بنعم على المسودة.

تنص هذه المادة على إدخال تعديلات على الدستور بعد إمراره تعكس التصورات السنية، عبر تشكيل لجنة برلمانية تقدم هذه التعديلات خلال فترة أربعة أشهر كي يُصادق عليها البرلمان قبل عرضها للاستفتاء العام بعد شهرين، كحد أقصى، من هذه المصادقة.

مضى نحو 17 عاماً على عملية يُفترض انها تستغرق ستة أو سبعة أشهر، من دون تصويت البرلمان على هذه التعديلات أو عرضها للاستفتاء العام.

لم يكن هذا هو الفشل الوحيد المبكر، إذ كان هناك فشل آخر، أشد عمقاً وأكثر تأثيراً ساهم في صناعة أزمات متواصلة.

يتلخص هذا الفشل، الأشد فداحة، بالأحكام الانتقالية في الدستور والتي يُقصد بها الأحكام التي يستمر العمل بها لفترة محدودة ثم يُنتهى منها بعد إنجاز المهام المطلوبة.

تتعاطى الأحكام الانتقالية عادةً مع تفكيك تركة النظام السابق وصولاً لتحقيق الاستقرار في ظل النظام الجديد.

تتعلق أهم الأحكام الانتقالية الدستورية العراقية باجتثاث حزب البعث (المادة 135) وأهمية إنهاء أعمال الهيئة المسؤولة عن هذا الملف، المتعلق أساساً بمحاسبة البعثيين على جرائمهم، ومنع وصول الآخرين منهم، من ذوي الدرجات الحزبية العليا، لمواقع المسؤولية الرسمية والتأثير السياسي في ظل النظام الجديد، وتطبيع الاوضاع في كركوك لإنهاء آثار سياسات التغيير الديموغرافي المتبعة من النظام السابق (المادة 140) التي ينبغي أن تنتهي أعمالها بنهاية عام 2007.

في الحالتين لم تُحل المشاكل المرتبطة بهذين الملفين. فمثلاً انقضت المهلة المتعلقة بإنهاء إجراءات التطبيع في كركوك من دون القيام بها جميعاً لغلق هذا الملف نهائياً، ليؤدي الفشل في حسمه الى تحول كركوك إلى مشكلة كردية-عربية-تركمانية دائمة، تتراجع حدتها او تتصاعد بحسب الظروف السياسية ومصالح الأطراف المتصارعة، الكردية والعربية والتركمانية.

أما هيئة اجتثاث البعث، فبدلاً من أن تكون سبيلاً قانونياً لإنهاء مظالم الأمس وعدم ترحيلها للحاضر، تحولت إلى أداة للصراع السياسي وَظَفته حكوماتٌ متتابعة، وقوى سياسية مهيمنة، ضد خصومها.

وبدلاً من أن تُحَل هذه الهيئة كأحد شروط الانتقال، أُعيد إنتاجها في عام 2008 عبر "الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة" التي لم تتشكل فعلياً إلا في عام 2012 بسبب كثرة الصراعات السياسية بخصوصها.

في أوقات الحاجة السياسية، تُستخدم هذه الهيئة لتأدية المهمة السابقة التي كانت تؤديها هيئة اجتثاث البعث: تهميش الخصوم بسبب عدم حسم هذين الملفين وغلقهما نهائياً، تحولا إلى لغمين مختبئين في الحياة السياسية للبلد، مرشحين للاستخدام، وحتى الانفجار، عند توفر الشروط التي غالباً ما تقودها ارادات فاعلين سياسيين.

على هذا النحو الاشكالي العميق في سياقات أخرى متشابهة، بَرَع النظام السياسي العراقي بعد 2003 في صناعة تناقضاته المفتوحة: توفير الأدوات القانونية لحل المشاكل، ورفض حسم هذه المشاكل عبر هذه الأدوات لأسباب ترتبط بتناقض المصالح السياسية والحزبية. عنى هذا عملياً هيمنة هذه المصالح الجهوية على الأدوات القانونية وتجييرها لها على نحو دائم تقريباً.

هذا التناقض هو الذي أنتج وأدام الأزمة الحالية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، وليس "الفتنة" التي تختفي ورائها كائنات ماورائية وشريرة.

يتبع