على مدى السنوات الماضية ومنذ صعود خطاب المقاومة الجديد بنسخته الإيرانية المتمحورة حول الدفاع عن الجمهورية الإسلامية في إيران بوصفها زعيمة معسكر المستضعفين الإسلامي ضد معسكر الاستكبار الغربي وتمدده "الاستعماري" في الشرق، ثمة سعي منسق وحثيث لإعطاء هذا الخطاب شرعيةً وطنية وأخلاقية ودينية وقانونية وجعله مقترناً ببديهات المنطق والعقل.

في ثنايا الإنشائية والخطابية المعتادتين في مثل هذا الخطاب، تبرز قيمٌ واضحةٌ تعيد تعريف السيادة والقانون، وحتى الدين والأخلاق، لصالح الصراع المفترض بين مظلومين مسلمين وظالمين غربيين (يتجنب هذا الخطاب ببراعة تصوير الصراع على أنه ديني بحت بين الإسلام والمسيحية كما تفعل التنظيمات المتطرفة كالقاعدة وداعش).

بمعنى آخر، يصبح الظلم ومظاهره الكثيرة، وليس الدين وعقائده، هو محور الصراع الذي يضع "المستضعفين في الأرض" في جانب وخصومهم من "المستكبرين في الأرض" في جانب آخر.

من خلال هذه التخريجة الاخلاقية-السياسية، ذات الروح الدينية المعلنة والمغزى السياسي المبطن، يُعاد تفسير مفهوم سيادة الدول وحق حكوماتها باتخاذ قرارات سيادية تتعلق بالصالح العام لهذه الدول كما تفهمها المؤسسات الرسمية المسؤولة عن تعريف هذا الصالح وعن الدفاع عنه.

بخلاف خطاب المقاومة القديم المتمحور حول القضية الفلسطينية ومركزيتها السياسية والأخلاقية في العالم العربي على مدى عقود طويلة،  يعيد خطاب المقاومة الجديد تعريف العلاقة بين الأرض وساكنيها من جهة والمؤسسات التي تديرها من جهة أخرى لجعل هذه العلاقة أكثر طواعية ومرونة كي تتناسب مع المتغيرات المتعلقة بمصالح الدولة الراعية لهذا الخطاب، إيران.

فمثلاً، من الثابت تاريخياً وقانونياً أن المقاومة، كحركة مسلحة يقرها القانون الدولي في سياقات محددة ومحدودة وتؤكدها الأعراف الوطنية في تجارب المقاومة لدول كثيرة في القرن العشرين، تتأسس حصراً على خلفية احتلال عسكري أجنبي يطيح بحكومة أو مؤسسات حكم محلية في البلد المُحتَل، ويستبدلها بحكمه الذي يعمد إلى إجراءات تخالف القوانين الدولية.

هذه التمييزات القانونية والتاريخية المهمة في مفهوم المقاومة تختفي في نسخة المقاومة التي تنفذها وتتزعمها إيران، فيصبح مجرد وجود قوات أميركية على أراض دول ذات سيادة بدعوة قانونية من حكوماتها الشرعية (كما فعل العراق أثناء تعرضه لهجوم داعش)، قبولاً باحتلال غير معلن، يبرر "المقاومة" ضده لتشمل حتى مهاجمة البعثات الدبلوماسية التي تكفل القوانين الدولية والوطنية حمايتها.

عملياً، ينزع هذا الخطاب الصلاحيات القانونية لدول المنطقة لصالح الثنائية الأخلاقية-السياسية التي يروج لها خطاب المقاومة، فمثلاً، توجد في كثير من دول المنطقة قوات أميركية بطلب وموافقة هذه الدول، كالبحرين وقطر.

يمتد وجود هذه القوات لعقود طويلة، حتى قبل تشكيل نظام الجمهورية الإسلامية في إيران في 1979، كما لم يكن هذا الوجود أصلاً مرتبطاً بصراع معها، لكن، في ظل خطاب المقاومة، أصبح هذا الوجود تخلياً عن الذات الإسلامية النقية المفترضة وشكلاً من العمالة نتيجة الانتماء لمحور الظلم الغربي، وبالتالي خطراً على بقية العالم الإسلامي.

بقي هذا الخطاب انتقائياً وذا توظيف استراتيجي يتسق مع المصالح الجيوبولتيكية الإيرانية، فمثلاً لا يُشهر هذا الخطاب بوجه تركيا، التي فيها وجود عسكري أميركي راسخ يصل إلى خزن قنابل نووية أميركية فيها مع الطائرات والصواريخ التي تحملها، ربما لأن العلاقات الإيرانية-التركية مستقرة إلى حد كبير منذ زمن طويل، لكن، بسبب اضطراب العلاقات الإيرانية-الخليجية عموماً، يوظف هذا الخطاب ضد دول الخليج، رغم أن الأخيرة، بخلاف تركيا، لا تتصل مع إيران بحدود مباشرة وليس فيها ترسانة نووية أميركية.

وبعكس الروح الأخلاقية والمبدئية التي يتفاخر بها هذا الخطاب ويُعيِّر خصومه بفقدانها باسم "الإصرار على الثوابت"، فإن استخدامه براغماتي ومتغير، إذ هو مرتبط إلى حد كبير بالحفاظ على الأمن القومي الإيراني ومصالح الدولة الإيرانية المختلفة.

فمثلاً، معروف وموثق أن إيران وافقت ونسقت مع الولايات المتحدة وحلفائها لإسقاط نظامي صدام حسين في العراق شرقها وطالبان في أفغانستان غربها لأن هذين النظامين كانا عدوين لها وأُعتبر تخلصُ "الشيطان الأكبر" من "هذين الشيطانين الصغيرين" أمراً جديراً بالترحيب به، بل والمساعدة على تحقيقه.

لكن الخشية الإيرانية من تشكيل نظام سياسي عراقي يمكن أن يكون نموذجاً ديمقراطياً ومرتبطاً بحلف وثيق مع أميركا، أثار قلق إيران.

لذلك، انطلقت الماكنة الضخمة لإيران-الثورة لتدريب فصائل مسلحة عراقية وتزويدها بالأسلحة والموارد اللازمة لاستهداف القوات الأميركية في العراق في ظل خطاب مقاومة ثوري يدعو لتحرير الأرض، في ذات الوقت الذي كانت فيه إيران-الدولة تنكر أي دور لها في دعم هذه الفصائل، حتى برغم تأكيد هذه الفصائل ارتباطها بإيران ودفاعها عن مصالحها.

في الحقيقة ليس ثمة بلد ظهرت فيه تناقضات المقاومة قولاً وسلوكاً كما في العراق. فالمقاومة، التي يُفترض قانوناً وعُرفاً أن تكون سريةً في بلد يخضع لاحتلال عسكري أجنبي، علنيةً في العراق (كما هي في لبنان أيضاً) وتمتلك وسائل إعلام من تلفزيونات وصحف ومواقع إلكترونية وغيرها.

المقاومة في العراق جزءٌ من الدولة ومن نظامها السياسي، بما يعنيه هذا من برلمان وحكومة ومؤسسات رسمية أخرى، وترشح سفراء ووزراء ولديها ممثلون في البرلمان وتتلقى ميزانية رسمية من الدولة، التي تقودها حكومة وطنية في بلد مستقل وغير خاضع لاحتلال أجنبي.

في الحقيقة، عبر البرلمان المُمثلة فيه، سعت "المقاومة" وحلفاؤها المذهبيون بتنسيق وإصرار عاليين، وبدعم إيراني قوي، إلى إعادة تعريف وجود القوات الأميركية في البلد وصلاحيات البرلمان، بخلاف القانونين الدولي والعراقي، إذ اعتبرت غالبية نيابية في البرلمان العراقي في 5 يناير 2020، بعد أيام قليلة من اغتيال الولايات المتحدة في بغداد الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، القواتِ الأميركية قوةَ احتلال وطالبت بمغادرتها الأراضي العراقية.

رغم أن وجود القوات الأميركية لم يكن احتلالا عسكرياً فمجيئها للبلد كان على أساس دعوة رسمية عراقية في عامي 2014 و2015 لا يزال لحد الآن نافذة لم يلغها، ولا يستطيع الغاؤها، قرارُ البرلمان في مطلع 2020، نجحت "المقاومةُ" إعلامياً في تصويره على أنه ملزم قانوناً وينبغي على الحكومة العراقية تطبيقه بخلاف ما ينص عليه القانون والدستور العراقيان.

يشير الدستور العراقي الى أن لمجلس النواب الحق في تشريع القوانين التي يكون لزاماً على الحكومة تطبيقها. لكن ليس له الحق في إصدار قرارات تنفيذية ملزمة للحكومة كما أكدت هذا المحكمة الاتحادية في أكثر من مناسبة.

يتطلب تشريع القانون مناقشته في البرلمان عبر مرحلتين، قراءة أولى ثم قراءة ثانية، قبل التصويت النهائي عليه ليصبح ملزماً إذا حصل على تصويت غالبية النواب.

لم يحصل كل هذا بخصوص قرار التصويت على سحب القوات الأميركية. وبالتالي فإن هذا القرار، بحسب المحكمة الاتحادية، ليس إلا توصيةً أو بيان رأي نيابي وللحكومة أن تقبله أو ترفضه، كما حصل في مرات سابقة عندما أصدر البرلمان "قرارات تنفيذية" تعتبر قانونياً خارج صلاحيته وليس لها طابع الإلزام، ولم ينص عليها الدستور ضمن صلاحيات مجلس النواب. مع ذلك، يُروج على نحو واسع لتوصية البرلمان العراقي هذه بإخراج القوات الاميركية من البلاد على إنها إرادة إلزامية قانوناً تمثل الشعب العراقي وطنياً وعلى الحكومة تنفيذها.

لكن الأهم في الأمر والأخطر في قصة المقاومة في العراق هو أنها ليست وطنية، بمعنى أن هدفها الأساسي ليس الدفاع عن المصالح العراقية إلا في حالة توافق هذه المصالح مع نظيرتها الإيرانية، كما في قتال تنظيم داعش.

منذ الانتهاء من قتال تنظيم داعش وتحرير كامل الأرض العراقية من سيطرته في عام 2018، أصبح واضحاً وعلى نحو تدريجي أن المهمة الرئيسية لـ"لمقاومة" في العراق هي الدفاع عن مصالح جارة العراق الشرقية حتى حين تناقضها مع مصالحَ الدولة العراقية التي تمولها وتمنحها الحماية الرسمية والقانونية.

اتضح هذا الدرس على نحو صارخ ومؤلم عراقياً منذ صيف عام 2019 عندما اشتدت سخونة الصراع الأميركي-الإيراني وتحولَ العراق إلى إحدى ساحات الحسم الصعب فيها بسبب شحة أوراق الضغط الإيرانية ضد الولايات المتحدة وعقوباتها الشاملة والقاسية ضد إيران.

من هنا عمدت إيران إلى استخدام "المقاومة" العراقية لاستهداف السفارة الأميركية في بغداد ومعسكرات توجد فيها قوات أميركية فضلاً عن مهاجمة حلفاء أميركا في الجوار العراقي، ومحاولة لي ذراع الحكومة العراقية للوقوف إلى جانب إيران في هذا الصراع رغم الإجماع الشعبي والرسمي العراقي على أن مصلحة البلد تكمن في الوقوف على الحياد في هذا الصراع وتجنيب العراق مخاطره ومواجهاته الكثيرة.

رغم كل هذا، لا تزال صفحة هذه المواجهة دفاعاً عن المصالح الإيرانية مفتوحةً على الأرض العراقية، وبأثمان يدفعها العراقيون ودولتهم، فيما تصر المقاومة، عبر خطابها، المعبأ بالتخيلات الأيديولوجية والروح الدوغمائية وأشباه الحقائق، على تخوين العراقيين الذين يعارضون أفعالها المضرة بالصالح الوطني العراقي.

العراق ليس محتلاً حتى يحتاج مقاومةً تتزعمها إيران كي تقوم بتحريره. هذه بديهة واضحة يتفق عليها العقلاء لكنها، لسوء الحظ، غائبة في خطاب المقاومة وتفكيرها.

يتبع