ذهب بعض الشُراح إلى نعت رئيس الولايات المتحدة الأميركية بالملك، وزعم بعضهم أن الأميركيين إنما يختارون لأنفسهم، كل أربع سنوات ملكا لا يختلف عن سائر الملوك، وأسس هؤلاء دفعهم نتيجة السلطان الضخم الذي يتمتع به رئيس الولايات المتحدة.
وبموجب الدستور الأميركي العتيد، الذي تأسس في عام 1787، عن سائر الأنظمة الديمقراطية في أوروبا، إذ تتوحد السلطة التنفيذية، بل تندمج في عناصرها كافة، بشخص الرئيس، في حين أن هذه السلطة تتوزع في الأنظمة البرلمانية الأوربية بين رئيس الدولة، ملكا كان أو رئيس جمهورية، وبين الحكومة القائمة.
آل الآباء الأوائل للأمة الأميركية حين وضعوا أقدم دساتير العالم رسوخا ونفاذا، أن يُكرسوا الميزة الفارقة للنظام الرئاسي الأميركي، فأناطت المادة الثانية من ذلك الدستور السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة برئيس الجمهورية، وعمدوا إلى أن تكون السلطة التنفيذية هي السلطة الأولي في البلاد، وذهب المدافعون عن تلك الركيزة الأساسية للنظام السياسي الأميركي للقول بأن: "سلطان الهيئة التنفيذية إنما يُؤلف شرطا جوهريا للحكومة السليمة، وان العنصر الأول لضمان هذا السلطان هو في وحدته".
جَلي أن رئيس الولايات المتحدة يتمتع بسلطات شبه ملكية فهو يمثل الأمة كلها ويجسد الإرادة العامة للشعب، ويُعد رمز الأمة ووحدتها، ويسهر علي التنفيذ الأمين للقوانين، ويحوز سلطة العفو الخاص، واستقبال السفراء، ويمارس حق النقض تجاه الكونغرس الأميركي فيما يُعده الأخير من مشروعات للقوانين، ويقدم الرئيس الأميركي اليوم بشكل منتظم البرامج التشريعية الواسعة، ولا ينقطع عن التدخل في المسار التشريعي، ولا يتردد الكونغرس في تفويض الرئيس سلطات واسعة، في زمن الحرب أو الأزمة، وكذلك في الظروف الطبيعية، وتعد اللامسوؤلية السياسية بانية للنظام الرئاسي الأميركي، فالرئيس غير مسؤول أمام المجلسين التشريعيين في الولايات المتحدة.
إن رئيس الولايات المتحدة هو وحده المُسير للسياسة الأميركية والمنتخب وطنيا، ويقوم بوظائف رئيس الدولة والحكومة معا، غير أن الركن الأساسي من سلطته يأتي من دوره كرئيس للحكومة، إذ ليس لوزرائه سوى دور التابعين بدون سلطة جماعية، ولا يتولوا مناصبهم إلا بإرادة رئاسية، والرئيس الأميركي مسؤول عن مُجمل العمل الحكومي، واذا كان بإمكان الكونغرس والمحكمة العليا مراقبة أو منع قراراته، بيد أنه بدون الرئيس لن تكون هناك قرارات، وفي الأعمال التي لا تتصل بإحدى صلاحيات الكونغرس والمحكمة العليا، يتمتع الرئيس الأميركي بسلطان لا ينازعه أحد.
حين واجهت الولايات المتحدة مشكلة تداول السلطة، لأول مرة، سَن جورج واشنطن، تقليدا غير مكتوب، في تحديد فترات الرئاسة برفضه الترشح لولاية ثالثة، فخلق ذلك المثال نوعا من العرف الدستوري، لكن خرقه الرئيس روزفلت حين حصل على ولاية ثالثة عام 1940، وولاية رابعة عام 1944، لكن التعديل الدستوري الثاني والعشرين، الذي اعتنق عام 1947 وطُبق اعتبارا من عام 1951، جعل ممارسة الرئيس جورج واشنطن دستورية ومنع انتخاب رئيس لأكثر من ولايتين.
والرئيس الأميركي الوحيد الذي أمضى أكثر من فترتين كاملتين هو فرانكلين روزفلت قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، لكن بقاءه لفترة طويلة أثار نقاشا حادا حول عدد الولايات المسموح بها للرئيس، فقامت الولايات المتحدة بتغيير دستورها في عام 1951 وجعلت ولاية الرئيس فترتين فقط.
أرسي أيضا الرئيس الأميركي توماس جيفرسون عام 1800 حجرا صلدا في البناء الديمقراطي لمفهوم وآلية التداول السلمي للسلطة في الجمهورية الوليدة، فحين انتخب جيفرسون رئيسا، والذي يُعتبر الآن أبا للوطن الأميركي، كان يُنظر إليه في ذلك الوقت على أنه مُلحد يعقوبي، وكان يرأس أول حزب سياسي للمعارضة في الولايات المتحدة، وبمجرد فوز جيفرسون في الانتخابات كان التوتر واضحا، هل سيقبل الجميع النتيجة على أنها شرعية؟ وهل سينتقم من منافسيه المهزومين؟ وهل ستندلع الفوضى وأعمال شغب في الشوارع وانقلابات، ولكن حسم جيفرسون كل ذلك الخلط.
والتوجس بعبارات التوافق الشهيرة: "كلنا جمهوريون، كلنا فيدراليون"، فشهد انتخاب الرئيس توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، أول انتقال للسلطة إلى المعارضة بعد انتخابات شهدت تنافسا شديدا. ففي النهاية قبل الحزب الحاكم بالنتائج، وتولى الرئيس جيفرسون مقاليد السلطة سلميا وأصبح واحدا من أنجح رؤساء الولايات المتحدة ومن أكثرهم تألقا.
يوم 20 يناير في أميركا هو يوم تنصيب الرئيس الجديد، ولا يستطيع مسؤول أو حزب أو سلطة مهما كانت أن تؤجله، ويتم تنصيب الرئيس بسلاسة وهدوء وفق تقاليد محددة تمثل قيماً راسخة في الحياة السياسية، ونشاهد الرئيس السابق يسلم سلطته برضا وقناعة وسعادة لأنه يجسد تلك القيم ويؤمن بها ويطبقها، ونرى الرؤساء السابقين في الولايات المتحدة يشاركون في المناسبة كدلالة على احتفالهم وفخرهم بالديموقراطية التي يطبقها نظامهم، وهنا نفهم ونرى الترجمة الحقيقية والتطبيق الفعلي لمصطلح التداول السلمي للسلطة، ويتم هذا الحدث التاريخي المهم بينما الحياة تسير في كل أنحاء أميركا بشكل طبيعي.
تُوجب التعددية السياسية الالتزام بعدم استخدام العنف أو الدعوة إليه أو التهديد به في العمل السياسي، كما توجب عدم القيام بأية محاولة للوصول إلى السلطة بغير الوسائل الديمقراطية، سواء عن طريق العنف الفردي أو الجماعي أو الانقلابات العسكرية بهدف اغتصاب السلطة وانتهاك الشرعية الدستورية، ولضمان ذلك يجب التعهد بممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب من خلال علنية نشاطها وعقد مؤتمراتها الدورية وانتخاب هيئاتها القيادية، وذلك إيماناً منها بأن من لا يمارس الديمقراطية في نشاطه الداخلي لا يمكن أن يمارسها في علاقاته بغيره في المجتمع.
جلي أن الانتخابات الدورية الحرة النزيهة هي واحدة من أهم الوسائل الديمقراطية لإسناد السلطة إلى الحكّام، وتعد ركيزةً ودعامةً أساسيةً لكلّ حكمٍ ديمقراطي سليم، لكونها المرجعية الأساسية في تحديد شرعيّة السلطة داخل المجتمع، وهكذا، فإن الديمقراطية والانتخابات صنوان متلازمان فلا تستقيم الديمقراطية من دون انتخابات حرة ونزيهة، فالأولى أسلوب للحكم والثانية وسيلة لتحقيق تلك الغاية.
وتعد الولايات المتحدة المثال الصارخ للتداول النسبي للسلطة، وهو التداول الذي ينتقل فيه قسم من السلطة فقط إلى صف المعارضة، إذ يتم انتخاب رئيس الدولة والبرلمان في وقتين متباعدين، وعلى نقيض التداول المطلق الذي تنتمي بموجبه السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى كتلة واحدة أو حزب سياسي واحد يحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات، فإن التداول النسبي يتيح سيطرة طرف من المعارضة على قسم من السلطة فقط، والحزب الحاكم على القسم الآخر، أي بعبارة أخرى تنتمي أغلبية البرلمان إلى حزب أو كتلة سياسية في الوقت الذي ينتمي فيه الرئيس إلى حزب أو كتلة سياسية أخرى.