لم يكن وصول العراق ليوم الاستقلال في أكتوبر 1932خالياً من صراعات عراقية-عراقية شديدة بخصوص معنى الاستقلال وحقيقته على الأرض وقدرة الدولة العراقية على تأدية التزاماتها نحو مواطنيها من دون رقابة أو إشراف أجنبي. برزت هذه الصراعات بين عامي 1930 و1932، عند إبرام الاتفاقية العراقية-البريطانية التي أقرت باستقلال العراق، حين دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بقبول عضوية العراق في عصبة الأمم.

ارتبط  جزء أساسي من الاعتراضات المحلية العراقية ضد المعاهدة بمفاهيم مثالية للاستقلال الوطني تعتبر أي وجود عسكري أجنبي في البلاد، حتى وإن كان منظماً عبر اتفاقية ثنائية رسمية مبنية على أساس مصالح مشتركة، شكلاً من الهيمنة الأجنبية وانتقاصاً من الكرامة الوطنية التي ينبغي الوقوف ضدها بقوة. تمحور جزء آخر وكبير من الاعتراضات حول الدفاع عن قومية عربية صاعدة في عراق العشرينات واعتبار التحالف السياسي بين العراق وبريطانيا الذي مثلته هذه المعاهدة تقويضاً لحس التضامن القومي العربي المهيمن عراقياً، وإبعاداً خطيراً للبلد عن "الانتماء العربي". تأسست هذه الأفكار: مناهضة الوجود العسكري الأجنبي والعداء الغربي المفترض للعرب، على كراهية بريطانيا ومعارضتها بوصفها قوة شريرة عظمى، خدعت العرب في اثناء الحرب العالمية الأولى باستقلال موعود  ضمن دولة عربية واحدة في المشرق العربي قبل أن تتقاسم مع فرنسا معظم المنطقة. هكذا تشكلت واتسعت الهوية الوطنية في العراق والقومية العربية في المشرق على الصدام مع الغرب الأوربي، بالرغم من أن بدايات النزعة القومية العربية كانت أصلاً رد فعل على التمييز التركي ضد العرب في أواخر الحكم العثماني وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى.

دفاعاً عن هذا الفهم الأيديولوجي المثالي للاستقلال، برزت المعارضة للمعاهدة بين طيف واسع من الساسة العراقيين كان معظمهم من ذوي الجذور الثقافية العثمانية. تمثلت هذه المعارضة حينها بحزبين رئيسيين: الحزب الوطني المتشكل في عام ١٩٢٢ وضم ساسة وناشطين معروفين كجعفر أبو التمن وحمدي الباجه جي ومولود مخلص ومحمد مهدي البصير وأحمد الشيخ داوود، وحزب الإخاء الوطني الذي تشكل في عام ١٩٣٠ خصيصاً للوقوف ضد المعاهدة وضم ساسة كبار بينهم رؤساء وزراء سابقين كياسين الهاشمي وتوفيق السويدي فضلاً عن ساسة آخرين صاعدين حينها كرشيد عالي الكيلاني وحكمة سليمان وعلي جودت الأيوبي. شكل هذان الحزبان ائتلافاً سياسياً لتنسيق معارضتهما للمعاهدة ومنع تمريرها والوقوف ضد حزب العهد الذي شكله رئيس الوزراء نوري سعيد للدفاع عن المعاهدة وتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها. شن هذا الائتلاف حملة واسعة ضد المعاهدة وحزب العهد ورئيسه، بدأت في بغداد بكتابة مقالات وتنظيم تظاهرات تصدت لها الحكومة بشدة واعتقلت بعض منظميها. انتقل جهد الائتلاف حينها إلى منطقة الفرات الأوسط إذ بعث حزبا الائتلاف ممثلين لهما إلى كربلاء في كانون الثاني 1931 بمناسبة زيارة منتصف شعبان لإجراء لقاءات مع شيوخ عشائر ورجال دين  ووجهاء من وسط البلاد وجنوبها. تمخض عن هذا النشاط عريضة رفعت إلى الملك فيصل تطالب بإلغاء المعاهدة وإقالة حكومة نوري سعيد وحل البرلمان الذي أقر المعاهدة.

في آخر المطاف، لم تنجح جهود المعارضة هذه، ربما لأن الملك فيصل دعم المعاهدة وتواصل مع الأطراف المختلفة لإقناعها أن هذه المعاهدة خطوة مهمة إلى الأمام على درب طويل لبناء دولة مستقلة ومتماسكة ومزدهرة. كانت قوة حجة الرجل تكمن في واقعيتها البسيطة والمستندة على تبني منطق "خذ وطالب" الذي كان يستخدمه ويحاجج دفاعاً عنه ويقوم على التدرج في نيل المطالب وتحقيق الأهداف بدلاً من الإجراءات الثورية المْفاجئة والكبرى التي كان يميل إليها الكثير من المعارضين من دون حساب دقيق وصبور للنتائج السلبية المحتملة.

مع ذلك، لم تكن كل المعارضة تقوم على الخلاف في الأفكار والمناهج، بل كان جزءٌ منها مرتبطاً بالمناكفات السياسية المعتادة والصراع على المناصب. فمثلاً، تحول السياسي مزاحم الباجه جي، الذي سيصبح  رئيساً للوزراء في عام ١٩٤٨، من معارضته للمعاهدة الى تأييده لها عندما عرض عليه نوري سعيد منصباً وزارياً في حكومته ما اضطر حزبه، الإخاء الوطني، إلى طرده من صفوفه. كما أن كبار المعارضين الآخرين مثل رشيد عالي الكيلاني وياسين الهاشمي وتوفيق السويدي، عندما أصبحوا رؤساء وزراء في 1933و1936، و1946، لم يحاولوا فعلياً إلغاء المعاهدة أو تعديلها عندما كانوا على رأس السلطة.

كانت المعارضة الأهم للمعاهدة، بجدية أسئلتها وشدة غضبها، كردية وتتعلق أساساً بالحفاظ على الهوية الإثنية ونوعية العلاقة بين بغداد و"أكراد الموصل" الذين ضمتهم بريطانيا عسكرياً لعراق مستقبلي في الأيام القليلة التالية لنهاية الحرب العالمية الأولى. بعد نهاية هذه الحرب وعقد مؤتمر السلام في باريس 1919، برزت في العالم فكرة حقوق الأقليات ومن بينها حق تقرير المصير، في إطار تفكيك الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية اللتين خسرتا الحرب إلى جانب ألمانيا التي لم تتعرض جغرافياً لتفكيك مماثل. اشترط عهد الانتداب الذي منحته عصبة الأمم لبريطانيا في العراق الحفاظَ على حقوق الأقليتين الكردية والآشورية. كانت هذه الحقوق في جوهرها ثقافية ولغوية وإدارية، وتتأطر بمفهوم الإدارة الخاصة للأقليات لشؤونها (الحكم الذاتي) أو ما عرف حينها بـ"مختارية الإدارة" من دون إشارة إلى حق تقرير المصير. عند نشر بنود المعاهدة في الإعلام في تموز ١٩٣٠ فوجئ الأكراد، كما الآشوريون، بأن المعاهدة لم تتناول التعهدات الممنوحة لهم بخصوص الإدارة الخاصة.

كشف رد الفعل الكردي اتجاهين مختلفين في المجتمع الكردي بخصوص النظرة للدولة العراقية وكيفية التعامل معها. الأول، تيار قومي استقلالي كان يدعو إلى تشكيل دولة كردية مستقلة.

بعث بعض ممثلي هذا التيار برسالة إلى عصبة الأمم يطالبها بإنشاء دولة كردية عملاً بمبدأ حق تقرير المصير. رفضت عصبة الأمم هذا الطلب وردت عليه بأن صك الانتداب الممنوح لبريطانيا في العراق لم يحتوِ على مثل هذا الحق. تكرر هذا الطلب في رسالة شبيهة بُعثت للمندوب السامي البريطاني ولقيت نفس الرد الأممي الرافض. أما الثاني فهو تيار حقوقي فيدرالي الطابع يقبل ببقاء المنطقة الكردية ضمن العراق مع مطالبته بإصلاحات إدارية تقود الى الفيدرالية عبر التأكيد على الحقوق الثقافية والاقتصادية الكردية وصولاً إلى تطبيق الحكم الذاتي كاملاً. تلخصت مطالب بعض أنصار هذا التيار، وأغلبهم نواب أكراد في البرلمان العراقي، بتشكيل لواء كردي رابع، إلى جانب كركوك والسليمانية وأربيل، يُقتطع من لواء الموصل الضخم الحجم، ليضم الأقضية ذات الأغلبية الكردية فيه كعقرة وزيبار والعمادية وزاخو ويكون مركزه دهوك ولغته الرسمية  الكردية. هذا فضلاً عن توحيد الألوية الكردية الأربعة تحت إدارة مفتشية واحدة يديرها كردي يكون هو حلقة الوصل مع بغداد، وتوزيع ميزانية الدولة بعد استقطاع نفقات دوائر الدولة بحسب النسب السكانية للألوية.

في أجواء المطالبات هذه، كان التوتر يتصاعد في المناطق الكردية، وعلى الأخص في السليمانية. انفجر هذا التوتر في سبتمبر 1930 عبر تظاهرة صاخبة أمام السراي الحكومي في المدينة، شارك فيها طلاب وباعة ومدنيون آخرون، استخدمت فيها الحجارة والعصي، وردت عليها الشرطة التي طلبت مساعدة الجيش، بإطلاق النار على المحتجين. كانت الحصيلة دموية: ١٣ قتيلاً بين المحتجين وجندي فضلاً عن عشرات الجرحى معظمهم من المحتجين بحسب البيان الحكومي. أدى قمع هذه التظاهرة إلى رسائل احتجاج رفعها ساسة أكراد إلى المندوب السامي البريطاني وعصبة الأمم والحكومة العراقية. كانت رد الحكومة ذا شقين بوليسي واسترضائي. في الجانب البوليسي، قامت باعتقال نحو مئة شخص وقدمتهم للمحاكمة بحجة التحريض والاعتداء على القوات الأمنية وفي جانب الاسترضاء قامت بفصل مدير شرطة السليمانية والقائمقام العربيين واستبدلتهم بآخرين كرديين.

في الإطار الإصلاحي الأوسع شرعت الدولة قانوناً باعتبار الكردية لغة رسمية في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وعينت مزيدا من الموظفين الأكراد في هذه المناطق، خصوصاً في قطاعات التعليم والشرطة والقضاء. وحتى مع تقديم الحكومة العراقية تعهدات طلبتها عصبة الأمم بخصوص مراعاتها حقوق الأقليات وصولاً إلى الحكم الذاتي بعد منح العراق استقلاله، فشلت الحكومة في الحفاظ على هذه التعهدات. كان مرد هذا الفشل خليطاً من إيمان حكومي عراقي بالدولة المركزية وضغوط إقليمية، تركية وإيرانية، على العراق بضرورة عدم الذهاب بعيداً في منح الأكراد العراقيين حقوقاً تصل الى الحكم الذاتي. صارح نوري سعيد البريطانيين بهذه الضغوط، لكن بريطانيا، يديرها حزب العمال حينها ومستعجلة للخروج من العراق، لم تهتم للأمر كثيراً.

رغم كل هذه الإشكالات، كان الاستقلال خطوة كبيرة إلى الأمام على طريق إنضاج تجربة حكم عراقية مستقلة، تقوم على التعلم من الأخطاء العراقية ونمو المؤسسات التي أنشأها الحكم الملكي بإشراف بريطاني ورقابة دولية. لكن مشكلة العراق المزمنة حينها، والتي ما تزال تتواصل في عراق اليوم، هي أن الأشخاص أقوى من المؤسسات، ومن دون وجود شخصيات سياسية قوية وحكيمة على رأس السلطة تحمي المؤسسات وهي تمد جذورها في الحياة العراقية و تترسخ فيها، فإن خطر التفرد الأحمق بالقرارات وتقويض المؤسسات يبقى حاضراً. عنى رحيل فيصل الأول المبكر والمفاجئ بعد عام من الاستقلال، في سبتمبر 1933، أن هذا الخطر أصبح حقيقة مؤلمة في ظل غياب الحزم والحكمة في من أمسك بسلطة القرار بعده.

في عراق ما بعد 2003، تتقوض ديمقراطيته الهشة بسبب ذات الداء: علوية الأشخاص على المؤسسات. لعل الدرس الأهم لعل من تجربة استقلال العراق قبل نحو تسعين عاماً هو تجنب تكرار ذات الخطأ الجسيم.