كان اضطرار العراق للقبول بالانتداب البريطاني عبر موافقة حكومته على المعاهدة العراقية-الانجليزية في ١٩٢٢ ثم مصادقة المجلس التأسيسي عليها في  ١٩٢٤، كأساً مراً تجرعه  البلد على دربه الشاق نحو الاستقلال في ١٩٣٢.

لم يمض الأمر من دون نزاعات عراقية شديدة تواصلت حتى يوم المصادقة على المعاهدة في المجلس التأسيسي في ١٠ حزيران ١٩٢٤ واحتاج بعضها حلولاً سريعة كي لا تتفاقم وتتحول الى ازمات تقوض الدولة الوليدة على المدى البعيد.

كان النزاع الأهم رحيلَ المجتهدين الداعين إلى مقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي منعاً للمصادقة على المعاهدة إلى إيران. تسبب هذا الرحيل بغضب في وسط وجنوب البلد ضد الحكومة، علاوة على تحشيد دعائي قوي في إيران ضد البريطانيين بأنهم يستهدفون التشيع ما أضعف موقف بريطانيا هناك مقابل روسيا التي استغلت رحيل المجتهدين للتشنيع على بريطانيا. بعد ضمان الحكومة نجاحها في إجراء الانتخابات، شعر الملك فيصل بأهمية التواصل مع هؤلاء المجتهدين والسماح بعودتهم إلى العراق بشرط عدم دخولهم في الشأن السياسي. باستثناء الشيخ مهدي الخالصي الذي بقي في إيران إلى وفاته في عام 1925، تعهد المجتهدون في مراسلات خطية مع فيصل بترك الشؤون السياسية للحكومة. فمثلاً في رسالته لفيصل أقر السيد أبو الحسن الأصفهاني، المرجع الشيعي الأعلى منزلةً حتى عام 1946، بنوع العلاقة الجديدة بين المرجعية الدينية والدولة الجديدة "وإنا كنا أخذنا على عاتقنا عدم المداخلة في الأمور السياسية والاعتزال عن كلما يطلبه العراقيون ولسنا بمسؤولين عن ذلك، وإنما المسؤول عن مقتضيات الشعب وسياسته جلالتكم لكن المؤازرة للملوكية الهاشمية حسبما تقتضيه الديانة الإسلامية ذلك من مبدئنا الإسلامي."

عاد المجتهدون إلى العراق في نيسان/أبريل 1924 وسط ترحيب شعبي واسع. ساهمت أزمة مقاطعة الانتخابات ورحيل المجتهدين وتفاهمهم التالي مع الملك فيصل في تنظيم العلاقة بين الطرفين أخيراً: الدولة الملكية والمرجعية الشيعية، على أساس الفصل بين الحيزين السياسي والديني. استمر هذا التفاهم على مدى عقود تالية إلى أن تغير الأمر في العراق الجمهوري بإصدار السيد محسن الحكيم فتواه الشهيرة في 1960 بتحريم الشيوعية.

لكن بقي المجال السياسي العراقي مشتعلاً بالخلاف والصراع بخصوص المعاهدة بوصفها إعلانَ تبعية مذلة عراقية لبريطانيا ينبغي التخلص منها بسرعة من دون اتفاق على كيفية هذا التخلص. تألفت المعاهدة من 18 مادة عامة وأربعة اتفاقيات (بروتوكولات) تفصيلية ملحقة بها: عسكرية ومالية وعدلية وتنظيمية تتعلق بتوظيف البريطانيين لدى الحكومة العراقية. مجتمعةَ، نظمت هذه كلها مختلف جوانب العلاقة المعقدة بين بريطانيا والعراق حتى الاستقلال في 1932.

كانت المعاهدة واضحة في بعض بنودها في فرض هيمنة بريطانية على القرار العراقي، ومواربة في بنود أخرى. ففي مادتها الثانية نصت على أنه لا يحق للملك، بدون موافقة بريطانية، تعيينَ شخصية غير عراقية في مناصب عليا (المناصب التي تتطلب إصدار ارادة ملكية) وذلك لمنع العراق من التحالف مع دول أخرى ما قد يضعف النفوذ البريطاني فيه، كما ظهر هذا واضحاً في المادة السابعة من المعاهدة التي اشترطت قبول بريطانيا بأي دبلوماسي أجنبي ترسله دولته للعمل في العراق.

لكن معظم الهيمنة اليومية على القرار العراقي كانت في مادتين: المادة الأولى الغامضة بعموميتها إذ اشارت إلى "تعهد ملك بريطانية" من خلال المندوب السامي ومكتبه وقائد عسكري "بأن يقدم في أثناء مدة هذه المعاهدة.. ما يقتضي لدولة العراق من المشورة والمساعدة دون أن يمس ذلك بسيادتها الوطنية" والمادة الرابعة التي اشترطت استشارة العراق لبريطانيا في كيفية إدارة شؤونه المالية والنقدية ما دام العراق مديناً مالياً لبريطانيا (كان على العراق دفع ثمن المنشآت التي بناها البريطانيون بين عامي 1915 و1920 وسلموها كلياَ أو جزئياَ للحكومة العراقية، وشملت خطوط سكك وميناء البصرة ووسائل مواصلات ومدارس وغيرها).

كانت كلمة الاستشارة غامضة إذ إنها اشترطت طلب المشورة الشاملة لكل شيء تقريباً، وتقديمها، لكنها لم تشترط على العراق قبولها دائماً، وهنا برزت الكثير من الخلافات العراقية-البريطانية التي كان حلها يعتمد غالباً على حكمة الملك فيصل ومرونة أو تعنت المندوب السامي بحيث لم يحتج الطرفان استخدام المادة السابعة عشرة من المعاهدة التي سمحت لهما باللجوء إلى محكمة العدل الدولية لحل أي خلاف بينهما في تفسير المعاهدة.

القيود الأبرز التي فرضتها المعاهدة كانت في الاتفاقيتين الملحقتين العسكرية والعدلية اللتين أصبحتا محط استياء وتذكير دائم من جانب الصحافة العراقية بالاستقلال المنقوص. فقد أخضعت الاتفاقية العسكرية الجيش العراقي للإشراف البريطاني وألزمت العراق بإنفاق ربع ميزانيته السنوية لأغراض الدفاع، فيما أسست الاتفاقية العدلية نظاماً قضائياَ مزدوجاً، أحدهما لرعايا دول أجنبية معينة أوروبية وآسيوية، كبريطانيا وفرنسا واليابان، يديره قضاة بريطانيون ويطبق قوانين أجنبية، وآخر عراقي يُطبق على العراقيين.

تسبب هذا الازدواج القانوني برفض إيران الاعتراف بالعراق كدولة بسبب عدم شمول رعاياها وهم الأكثر عدداً من رعايا الدول الاخرى (نحو 80 الف شخص) بنظام المحاكم الأجنبية. لذلك ضغط الملك فيصل والحكومة العراقية بشدة لإلغاء هذا الازدواج القضائي لصالح نظام قضائي واحد للجميع بحضور بريطاني أكثر فيه وهو ما تم في 1929 لتعلن إيران اعترافها بالعراق كدولة في نفس العام. أغلق هذا أحد أبواب القلق العراقي على سلامة الدولة الوليدة التي كانت تخشى أن يؤدي رفض إيران البهلوية الاعتراف بها إلى تدخلها في الشؤون العراقية وعدم تثبيت النهائي للحدود بين الطرفين.

مع ذلك، كان الاستفزاز الأشد الذي شعره العراقيون بسبب المعاهدة يكمن في اتفاقية الموظفين البريطانيين. اشترطت هذه الاتفاقية تعيين مستشارين بريطانيين في وزارات الداخلية والمالية والعدلية والدفاع والأشغال والمواصلات، فضلاً عن مدراء ومفتشين عامين في وزارات ودوائر كالري والأشغال والزراعة والشرطة والبرق والبريد والصحة والجمارك وغيرها. أصبحت تجربة هؤلاء الموظفين نقطةَ التعريف الأساسية لكامل فترة الانتداب بصراعاتها العراقية-البريطانية وازدواجية معاييرها وغموضها أحياناً كثيرة.

كانت مرجعية هؤلاء الموظفين عملياً مزدوجة، فهم يتلقون الأوامر من الحكومة العراقية التي تدفع رواتبهم لكنهم أيضاً يقدمون تقاريرهم للمندوب السامي الذي يستطيع التدخل في دعم قراراتهم إذا رفضها رؤسائهم العراقيون. تحولت هذه إلى نقطة توتر دائمة قدمت مادة صحفية مستمرة تغذي غضب الرأي العام العراقي الذي اصطلح على تسمية ازدواجية السلطة هذه بـ"الوضع الشاذ".

كانت أعداد هؤلاء الموظفين ورواتبهم مصدر انزعاج عراقي مستمر، إذ كانوا يستلمون رواتب أعلى من رؤسائهم ونظرائهم العراقيين. فمثلاً في عام 1924 كان الراتب الشهري للوزير العراقي 141 جنيهاً استرلينياً، فيما كان راتب مستشاره البريطاني 172 جنيهاً استرلينياً زائداً مخصصات تصل إلى 12% من كامل الراتب. اما في الالوية، فكان كل واحد من 11 متصرفاً عراقياً يستلم 74 جنيهاً استرلينياً كراتب شهري فيما كان 12 مفتشاً بريطانياً يشتغلون تحت سلطة المتصرفين يستلمون 108 جنيها لكل واحد منهم مضافاً إليها المخصصات. في اول عام لتطبيق المعاهدة، 1924، بلغ عدد الموظفين البريطانيين 570 وهو ما كان يرهق ميزانية العراق التي كانت في ذلك أقل من 4 ملايين جنيه استرليني. هذا ناهيك عن دفع العراق نصف ميزانية مكتب المندوب السامي من دون ان يكون له قول في عدد موظفيه او مقدار رواتبهم.

لم يكن غضب الرأي العام العراقي الذي كان يهيمن عليه الاستقلاليون في العشرينات ضد بريطانيا مبرراً دائماً إذ كان معظم معسكر الاستقلاليين لا يرى في بريطانيا ووجودها في العراق إلا شراً مطلقاً، مُحركاً برؤية أيديولوجية-أخلاقية تفهم الأوضاع في العراق والعالم على أساس مثالية مريحة، لكنها مضللة، تختصر السياسة عموماً بوصفها صراعاً بين الحق والباطل، بخلاف الرؤية البراغماتية التي تفهم السياسة بوصفها سلسلة مستمرة من صراعات وتحالفات تتبدل على أساس مصالح دائمة تديرها مهارات تحقيق الممكن. ففي حقيقة الأمر، ساهم الكثير من الموظفين البريطانيين والإجراءات البريطانية في تشكيل بُنى وتقاليد إدارية مفيدة وصحيحة في مجالات كثيرة كالصحة والآثار والتعليم والجمارك وإدارة الأموال والصرف، حتى مع السعي للحفاظ على المصالح البريطانية.

ولعل واحدة من أهم مساهمات المستشارين والمفتشين البريطانيين في العراق حينها هي وقوفهم ضد تقاليد المحسوبية والمحاباة في التعيين المترسخة في الثقافة الاجتماعية العراقية والتي كان يلجأ لها الكثير من المسؤولين العراقيين، خصوصاً الوزراء والمتصرفين. كانت هذه المحسوبية واحدة من الشكاوى التي تتكرر كثيراً في التقارير والكتابات البريطانية خلال تلك الفترة.

بعكس السائد عراقياً حينها، بل وحتى اليوم، لم تكن تجربة الانتداب البريطاني في العراق سلبية كلها، وهو أمر اكتشفه الكثير من الساسة الشريفين في السلطة وبعض القوى والشخصيات السياسية العراقية خارجها، لكن الروح الوطنية العراقية السائدة وقتها كانت تقوم على المغايرة والاختلاف مع البريطانيين ومواجهتهم بوصفهم "الآخر" الأجنبي المتربص بالبلد دائماً. هذا الفهم الإشكالي للوطنية العراقية على أنها شكل من أشكال الصراع مع آخر شرير بقي، لسوء الحظ، حاضراً في السياسة في العراق على مدى عقود طويلة تالية.
- يتبع -