لم تكن الموارد الطبيعية يوما بعيدة عن مسارات الحروب، لكن بعضها كان قادراً على تغيير قواعد اللعبة بالكامل.
في تسعينيات القرن الماضي، شكّل الألماس في سيراليون نموذجا لما عُرف لاحقاً بـ"ألماس الدم"، حيث تحوّل هذا المورد الثمين إلى أحد أبرز مصادر تمويل الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد.
سيطرت جماعات متمردة على مناجم الألماس، واستخرجته وأدخلته إلى السوق العالمية، ما ساهم في إطالة أمد النزاع، وجعل من الحجر اللامع وقوداً لأحد أكثر الصراعات دموية في إفريقيا.
ومع تصاعد الجدل الدولي حول دور الألماس في تمويل النزاعات، طُرح سؤال جوهري: كيف يمكن منع الموارد المرتبطة بالحروب من الوصول إلى الأسواق العالمية؟
الإجابة جاءت عبر إنشاء نظام كيمبرلي، وهو نظام دولي يفرض شهادات منشأ على تجارة الألماس، بهدف ضمان عدم ارتباطه بنزاعات مسلحة، في خطوة أعادت تنظيم سوق الألماس على مستوى العالم.
بعد نحو عقدين، يعود السؤال ذاته، لكن هذه المرة في سياق مختلف، وبمورد لا يتعلق بالرفاهية، بل بالحاجة الأساسية: القمح.
ففي خضم الحرب في أوكرانيا، تصاعد الجدل حول شحنات حبوب تقول كييف إن روسيا استخرجتها من أراضٍ أوكرانية خاضعة لسيطرتها، قبل أن تُصدّرها إلى الأسواق العالمية.
وتحوّلت هذه القضية إلى أزمة دبلوماسية، بعد تقارير عن رسو سفن محمّلة بالقمح في موانئ إسرائيلية، ما دفع أوكرانيا إلى الاحتجاج واستدعاء السفير الإسرائيلي، واعتبار هذه الشحنات "حبوباً مسروقة".
ورغم نفي إسرائيل تلقي أدلة تثبت هذه الاتهامات، إلا أن القضية أعادت طرح إشكالية أوسع تتعلق بشرعية الموارد القادمة من مناطق النزاع، ومدى إمكانية ضبطها في الأسواق الدولية.
وفي وقت نجح فيه "مسار كيمبرلي" في وضع إطار دولي لتجارة الألماس، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان العالم قادراً على تطوير نموذج مشابه للموارد الغذائية، أو ما إذا كانت طبيعة هذه السلع ستبقيها خارج أي تنظيم صارم.