في السنوات الأخيرة، شهد المشهد الإعلامي تحولا عميقا في طريقة استهلاك الأخبار والمعلومات، حيث لم يعد الجمهور يعتمد حصريا على القنوات الصحفية التقليدية، بل باتت وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرون الرقميون مصدرا رئيسيا للأخبار، خصوصا بين فئة الشباب.
هذا التحول يعكس تغيرا في مفهوم “الثقة الإعلامية”، إذ لم تعد المؤسسات الإخبارية وحدها تحتكر نقل الخبر، بل دخلت شخصيات فردية إلى قلب المشهد الإعلامي، تقدم الأخبار بأسلوب شخصي وسريع وأكثر قربا من الجمهور.
تشير دراسات حديثة إلى أن عددا متزايدا من المستخدمين، خاصة تحت سن 30 عاما، يحصلون على الأخبار عبر المؤثرين على منصات مثل تيك توك وإنستغرام، بدلا من الوسائل التقليدية.
دراسات صادرة عن مراكز بحثية مثل مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) وأبحاث أكاديمية في مجالات الإعلام والاتصال تشير إلى تزايد اعتماد الجمهور، خصوصا فئة الشباب، على المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.
وبحسب بيانات بيو، وهو مؤسسة بحثية أميركية مستقلة، فإن نحو 21 بالمئة من البالغين في الولايات المتحدة يحصلون بانتظام على الأخبار عبر المؤثرين، وترتفع النسبة بشكل ملحوظ بين الفئة العمرية 18 إلى 29 عاما لتقترب من 40 بالمئة في بعض الاستطلاعات، ما يعكس تحولا تدريجيا في أنماط استهلاك الأخبار.
وترجع الدراسات هذا التحول إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الإحساس بالقرب الشخصي بين المتابع والمؤثر، وهو ما يعرف في الأدبيات الأكاديمية بـالعلاقة شبه الشخصية" (Parasocial Relationship)، حيث يشعر الجمهور بأن المؤثر يتحدث إليه مباشرة وبأسلوب غير رسمي، ما يعزز الإحساس بالثقة.
هذا التحول لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة المعلومات، بل يعكس تغيرا في طبيعة الثقة نفسها، من ثقة قائمة على المؤسسة والتحقق المهني، إلى ثقة قائمة على التفاعل الشخصي والانطباع الاجتماعي.
كما تلعب عوامل أخرى دورا في هذا التحول، من بينها سهولة الوصول إلى المحتوى عبر المنصات الرقمية، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية، إضافة إلى قدرة المؤثرين على تبسيط القضايا المعقدة وتقديمها بلغة أقرب إلى الجمهور.
هذا النموذج الجديد يثير القلق من أوجه عدة مثل غياب المعايير التحريرية الصارمة، وصعوبة التحقق من المعلومات، وتداخل الرأي مع الخبر، فضلا عن عدم امتلاك بعض المؤثرين الخلفية الصحفية حول دقة المحتوى وسرعة انتشار المعلومات غير الموثقة.
لكن المؤكد أن الإعلام التقليدي بدأ يفقد جزءا من احتكاره للمعلومة، فيما ربح المؤثرون ثقة فئات واسعة من الجمهور، وسط تساؤلات حول سبب ذلك هل بسبب قربه من الحقيقة أم قربه من الجمهور؟.