كشفت تقارير أمنية وصحفية عن توسيع توغو خندقا دفاعيا على حدودها الشمالية مع بوركينا فاسو، ضمن خطة تشمل قواعد أمامية ومراقبة جوية وتدريب قوات خاصة، في مؤشر جديد على انتقال حرب الجماعات المتطرفة من عمق الساحل إلى تخوم الدول المطلة على خليج غينيا.

ولا يبدو الخندق مجرد تحصين حدودي، إذ يقع قبالة مناطق في شرق بوركينا فاسو حول كومبينغا وتابوا، حولتها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المتطرفة، والمرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى قواعد للتحرك نحو شمالي توغو وبنين.

وكان تقرير نشرته "سكاي نيوز عربية" في يوليو 2023 قد حذر من أن تقدم القاعدة وداعش جنوبا يستهدف الخروج من جغرافيا مالي والنيجر وبوركينا فاسو الحبيسة والوصول إلى خليج غينيا، بما قد يفتح لاحقا مجالا لتهريب السلاح أو الارتباط بشبكات القرصنة البحرية.

سباق نحو البحر

يملك التنظيم الإرهابي "نصرة الإسلام والمسلمين" الأسبقية في السباق نحو الأطلسي، بعدما استخدمت شرق بوركينا فاسو قاعدة للتمدد إلى بنين منذ 2021، ثم إلى توغو في 2022.

ووفق مشروع "أكليد"، رسخ التنظيم وجوده داخل مجمع محميات "دبليو–آرلي–بندجاري"، الممتد بين بوركينا فاسو والنيجر وبنين، مستفيدا من الغابات والمسارات غير المراقبة لنقل المقاتلين والأسلحة والوقود.

أما التنظيم الدموي "داعش في الساحل"، فيتحرك من ميناكا شرقي مالي وتيلابيري وتاهوا في النيجر، باتجاه دوسو وحدود بنين وشمال غربي نيجيريا، مع اعتماد أكبر على العنف المباشر والحرب الاقتصادية.

ويلتقي مسارا التنظيمين في جنوب غربي النيجر، ما يرفع احتمال الصراع على طرق التهريب والتجنيد، لكن القاعدة تظل الأقرب إلى البحر بفضل حضورها العسكري الواضح في بنين وتوغو.

أخبار ذات صلة

من المناجم إلى البنادق.. "الذهب يمول الإرهاب في إفريقيا"
النيجر.. مخاوف من استيلاء الإرهابيين على "الكعكة الصفراء"

 

حدود تتحول إلى جبهة

بدأ التحول الأمني في توغو في مايو 2022، عندما قُتل 8 جنود وأصيب 13 في أول هجوم دموي معلن داخل البلاد.

وفي أكتوبر 2024، وقع هجوم قرب موقع لحفر الخنادق، أسفر، وفق "مؤشر الإرهاب العالمي"، عن مقتل 9 جنود و10 مدنيين، ما أظهر أن التحصينات والعاملين فيها أصبحوا أهدافاً مباشرة.

وفي يوليو 2025، أقر وزير الخارجية التوغولي روبرت دوسي بأن الجماعة نفذت 15 هجوما منذ بداية العام، قتلت خلالها 54 مدنيا و8 جنود، وكشف عن نشر نحو 8 آلاف عسكري في الشمال.

وفي بنين، قُتل 28 جنديا في هجوم داخل متنزه "دبليو" في يناير 2025، ثم أعلنت الحكومة مقتل 54 جنديا في هجومين متزامنين في أبريل. وفي مارس 2026، قُتل 15 جنديا في هجوم على قاعدة كوفونو.

ماذا نعرف عن الخندق؟

أفاد تحقيق نشرته "جون أفريك" بأن الاستراتيجية التوغولية تقوم على توسيع خندق قرب بونيو، على الطريق المؤدي إلى كومبينغا، مع إنشاء قواعد أمامية والاستعانة بمدربين أو متعاقدين أتراك لتدريب القوات الخاصة ودعم تشغيل طائرات "بيرقدار تي بي 2".

لكن طول الخندق ومساره غير معلنين رسميا. كما أن حديث بعض التقارير عن امتداده "مئات الكيلومترات" يثير تساؤلات، إذ تقدر دراسة حدودية أميركية طول حدود توغو مع بوركينا فاسو بنحو 126 كيلومتراً فقط، ما يرجح أن المشروع شبكة خنادق وخطوط دفاع داخلية.

الساحل الإفريقي.. التنظيمات الإرهابية

 الانسحاب الأميركي فتح فراغا

يرى الزميل والخبير في شؤون منطقة الساحل عمر الأنصاري أن التمدد الحالي لم يكن ليبلغ هذا المستوى لولا انسحاب الولايات المتحدة من النيجر وإغلاق القاعدة الجوية 201 في أغاديز.

وكانت القاعدة، التي اكتمل الانسحاب الأميركي منها في أغسطس 2024، مركزا رئيسيا لتشغيل المسيّرات وجمع المعلومات عن تحركات القاعدة وداعش في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

وقال الأنصاري: "كانت قاعدة أغاديز بمثابة برج مراقبة للساحل، وأسهمت المعلومات التي وفرتها في تعقب الجماعات وتأخير تمددها. وبعد إغلاقها، فقدت المنطقة جزءاً مهما من قدرتها على الإنذار المبكر والمراقبة العابرة للحدود".

وأضاف: "اتجهت الأنظمة العسكرية إلى شراكات جديدة مع روسيا وتركيا، لكنها لم تتمكن من كبح الجماعات، بل ازداد الوضع سوءاً. وتقوم هذه الشراكات أساسا على عقود تسليح وتدريب وخدمات مدفوعة، بعكس جانب مهم من البرامج الغربية التي كانت تمولها الدول المانحة".

وتعهدت روسيا في يوليو 2026 بتعزيز تعاونها العسكري مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في وقت أقرت فيه التقارير باستمرار تقدم الجماعات المسلحة واتساع نطاق هجماتها.

ويعتبر الأنصاري أن الخطر لا يرتبط فقط بضعف الدعم الخارجي، بل بنجاح الجماعات في النفاذ إلى السكان واستثمار المظالم المحلية.

وقال: "أعداد المقاتلين في ازدياد، لأنها دخلت إلى المجتمعات واستغلت التهميش والانتهاكات وغياب الدولة. وفي المقابل، تنكفئ السلطات العسكرية على حماية أنظمتها، بينما يتدهور الوضع الأمني يوماً بعد يوم".

أخبار ذات صلة

جبهة ثالثة تطوق النيجر.. وتهدد صناعة النفط
هجمات مالي.. الجماعات المسلحة تختبر حدود النفوذ الروسي

 

ما الحل؟

يرى الأنصاري أن الحل يبدأ بإعادة صياغة شراكات المنطقة بعد تعثر الرهان الروسي، والعودة إلى الحاضنة الأفريقية ومؤسسات العمل الجماعي، وفي مقدمتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إكواس".

وأضاف: "تحتاج دول الساحل إلى تعاون عملياتي مع جيوش إقليمية فاعلة ومع القيادة الأميركية في أفريقيا، أفريكوم، لاستعادة قدرات الاستطلاع والاستخبارات، لكن الحل العسكري لن يكفي وحده".

وشدد على ضرورة إطلاق مسارات فورية للانتقال نحو التعددية السياسية، وإجراء إصلاحات، وفتح حوارات داخلية تعالج المظالم وتعيد الثقة بين السكان والدولة.

حرب استنزاف

يمكن للخندق إبطاء السيارات والدراجات، لكنه لن يمنع مقاتلين يستخدمون الغابات والقرى والمسارات التقليدية. لذلك، يرجح أن تأخذ الحرب المقبلة شكل استنزاف عبر العبوات والكمائن واستهداف الحراس وقوافل الإمداد، مع الالتفاف عبر بنين أو المناطق المتاخمة لغانا.

ولا يعني وصول الجماعات إلى عمق توغو امتلاكها قوة بحرية، لكن بلوغ المناطق المحيطة بالموانئ قد يفتح الباب أمام التعاون مع شبكات القرصنة والتهريب في خليج غينيا.

ويؤكد خندق توغو أن حرب الساحل وصلت بالفعل إلى الدول الساحلية. والسؤال الآن هو ما إذا كانت التحصينات ستوقفها، أم تصبح الحدود ممرا يصل القاعدة من الصحراء إلى البحر.