في تصعيد يُعد من أخطر التطورات الأمنية التي تشهدها مالي منذ الهجمات الواسعة التي استهدفت العاصمة باماكو في أبريل الماضي، تعرض الجيش المالي لسلسلة هجمات متزامنة امتدت من أقصى الشمال إلى وسط البلاد، في مؤشر على دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدا، تقوم على استنزاف القوات الحكومية، واختبار قدرة المنظومة الأمنية المدعومة روسياً على احتواء التهديدات المتزايدة.
ولا تقتصر دلالة هذه الهجمات على اتساع رقعتها الجغرافية أو توقيتها المتزامن، بل تعكس تحولا في طبيعة المواجهة، إذ باتت الجماعات المسلحة تعتمد بصورة متزايدة على استراتيجية إنهاك الجيش عبر فتح جبهات متعددة في الوقت نفسه، بدلا من السعي إلى السيطرة الدائمة على المدن، ما يفرض ضغوطا مستمرة على المؤسسة العسكرية ويقوّض قدرة الدولة على فرض الأمن في مناطق واسعة من البلاد.
وشهد شمال ووسط مالي السبت هجمات متزامنة أعلنت خلالها جبهة تحرير أزواد دخول مدينة أنفيف الواقعة جنوب كيدال، مؤكدة السيطرة على مواقع عسكرية وأسر عدد من الجنود، فيما أقرّ الجيش المالي بتعرض خمسة مواقع عسكرية في أنفيف وأغيلهوك وغاو وسيفاري وكينيوروبا لهجمات متزامنة، معلنا أن قواته تمكنت من التصدي لها.
وفي تطور يزيد المشهد تعقيدا، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، الأحد، سيطرتها على ثلاثة مواقع عسكرية جديدة، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على هجمات جبهة تحرير أزواد، الأمر الذي يعكس تعرض الجيش المالي لضغوط متزامنة من أكثر من جبهة، رغم عدم وجود مؤشرات رسمية على تنسيق عملياتي مباشر بين التنظيمين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تراهن فيه السلطات العسكرية في باماكو على الشراكة الأمنية مع روسيا باعتبارها الركيزة الأساسية لاستعادة السيطرة على البلاد بعد إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، إلا أن تكرار الهجمات واتساع نطاقها يثير تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة هذه المقاربة الأمنية على التعامل مع صراع يتطور باستمرار من حيث الأساليب والانتشار الجغرافي.
ويرى مراقبون أن الجماعات المسلحة باتت تراهن على حرب استنزاف طويلة الأمد تستهدف إنهاك الجيش وإرباك انتشاره، في ظل تعدد الفاعلين المسلحين وتداخل الصراعات المحلية مع حسابات النفوذ الإقليمي والدولي في منطقة الساحل.
صراع يتجاوز حدود مالي
تشير الهجمات الأخيرة إلى أن الأزمة الأمنية في مالي تجاوزت مرحلة المواجهات التقليدية بين الجيش والجماعات المسلحة، لتتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة تعتمد على تعدد الجبهات وسرعة الحركة واستهداف مراكز الثقل العسكرية، وهو ما يصعّب على القوات الحكومية تحقيق حسم ميداني.
كما تضع هذه التطورات الشراكة الأمنية بين باماكو وموسكو أمام اختبار متجدد في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأنظمة العسكرية الحاكمة في منطقة الساحل لإثبات قدرتها على تحقيق الأمن بعد سنوات من الانقلابات والتحولات في التحالفات الدولية.
وفي ظل استمرار تعدد الفاعلين المسلحين واتساع رقعة العمليات وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية تبدو مالي مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدا قد لا تُحسم فيها المعارك بالسيطرة على المدن بقدر ما تُحسم بقدرة كل طرف على الصمود في حرب استنزاف طويلة الأمد.
استراتيجية استنزاف متعددة الجبهات
الكاتب والباحث المالي في الشؤون الإفريقية وقضايا الساحل، ماريغا ماسري قال في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" إن الهجمات الأخيرة تشير إلى انتقال الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات متفرقة إلى استراتيجية عسكرية تقوم على توزيع الضغط في أكثر من منطقة بالتوقيت نفسه، ليمنع ذلك الجيش من تركيز قواته في جبهة واحدة.
وأضاف ماسري أن هذه الهجمات "ليست مجرد تصعيد أمني ظرفي، لكنها تمثل اختبارا متجددا لطبيعة التوازن بين الدولة والجماعات المسلحة، مع محاولة اختبار قدرة المؤسسة العسكرية على الاستجابة المتعددة الجبهات في وقت واحد، كما أن هذه الموجة من الهجمات مقارنة بموجات سابقة تبدو مختلفة نسبيا من حيث طبيعة الاشتباك وحجم الخسائر".
وأشار ماسري إلى أن التكتيكات الجديدة تميزت بتركيز المواجهات المباشرة في الشمال بينما اتسمت العمليات في الوسط والجنوب بطابع المباغتة والسرعة، تخللتها هجمات انتحارية أو انسحابات تكتيكية بعد تنفيذ الأهداف، دون الانخراط في معارك طويلة تستنزف المهاجمين.
وفي المقابل، يرى الباحث المالي أن محدودية الخسائر مقارنة بحجم العمليات، وسرعة إعلان الجيش استعادة السيطرة على المواقع المستهدفة، تدلان على أن الدولة لا تزال تمتلك قدرة على الاحتواء، وإن كان ذلك لا ينفي استمرار حالة عدم الاستقرار أو احتمال دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيداً خلال الفترة المقبلة.
اختبار جديد للفيلق الروسي
من جانبه يرى الخبير العسكري ومدير مركز "ديلول" للدراسات الاستراتيجية أحمد ولد مبارك، أن الهجمات الأخيرة تضع الوجود الروسي في مالي أمام اختبار جديد، بعدما بنت السلطات العسكرية في باماكو جزءا كبيرا من استراتيجيتها الأمنية على التعاون مع موسكو عقب إنهاء الوجود الفرنسي.
وصرّح ولد مبارك لموقع "سكاي نيوز عربية" أن القوات الروسية "نجحت في المشاركة في عدد من العمليات الهجومية خلال العامين الماضيين، إلا أن تكرار الهجمات واسعة النطاق يشير إلى عدم القدرة على تأمين المناطق الحيوية ومنع الجماعات المسلحة من استعادة زمام المبادرة".
ويربط الخبير العسكري بين تراجع قدرة الجيش المالي على صد الهجمات وبين ما وصفه بانخفاض مستوى الانخراط الروسي المباشر في العمليات البرية، مضيفا أن الجيش المالي "يعتمد خلال 70 يوما على الغطاء الجوي ولا يستطيع التحرك على الأرض"، متوقعا استمرار الضغوط العسكرية خلال المرحلة المقبلة.
وتابع ولد مبارك قائلا إن العمليات الأخيرة تعكس مستوى مرتفعا من التخطيط والتنسيق، وهو ما يشير، بحسب تقديره، إلى أن الصراع في مالي دخل مرحلة جديدة تتسم بحرب استنزاف طويلة، وتعدد الفاعلين المسلحين، واتساع رقعة العمليات العسكرية، إلى جانب تراجع مستوى الدعم الروسي المباشر لنظام باماكو.
كذلك يرى أن الجماعات المسلحة أصبحت أكثر قدرة على فرض إيقاع المواجهة، من خلال تنفيذ هجمات خاطفة ومتزامنة تستهدف إنهاك الجيش وإرباك منظومة الأمن، بدلا من الدخول في مواجهات تقليدية طويلة.
ويعتبر ولد مبارك أن أحد أسباب تراجع فعالية الفيلق الروسي يتمثل في اعتماده بصورة رئيسية على الإسناد الجوي، موضحا أن استهداف مطار نيامي الشهر الماضي الذي يضم قاعدة للقوات الجوية ومقرا للقيادة العسكرية المشتركة بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، انعكس سلبا على قدرات الدعم اللوجستي والعملياتي.
وبحسب تقديره، فإن هذا التراجع قد يؤثر على النفوذ الروسي في منطقة الساحل، لكنه يستبعد انسحاب موسكو الكامل، مرجحا أن تتجه إلى تعديل استراتيجيتها الميدانية، وربما تعزيز أدوات النفوذ غير المباشر بما يتلاءم مع طبيعة الصراع المتغير.
أزواد: المواجهة مستمرة
على الجانب الآخر، يعتبر المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، أن الهدف الرئيسي للجبهة يتمثل في إنهاء الوجود العسكري المشترك للجيش المالي والفيلق الروسي في المناطق الأزوادية.
وفي تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، قال رمضان إن "المعركة الأساسية هي إجبار الفيلق الروسي والجيش المالي على مغادرة المناطق الأزوادية".
وقلل المتحدث باسم الجبهة من قدرة الجيش المالي على تغيير موازين المواجهة، معتبرا أنه "أضعف من مواجهة الجبهة" على حد تعبيره مؤكدا أن العمليات العسكرية الأخيرة لا تنفصل عن الصراع الدائر مع الفيلق الروسي والجيش المالي، وستكون هناك عدة معارك أخرى وهجمات أخرى ما دامت المجازر في المناطق الأزوادية مستمرة"، بحسب وصفه.