لم يكن محض الصدفة ما حمل وضاح خنفر إلى قمة إدارة الأخطبوط الإعلامي الأهم لدى قطر، بل كان تنسيقا محكما بين قطر وجماعة الإخوان المسلمين، لخوض لعبة أممية، ما كان غير خنفر ليصلح لها، فهي تستدعي شرطين لا ثالث لهما، أولهما ولاء أعمى للجماعة وأولياء نعمتها، وثانيهما أن يكون البيدق من فئة تصلح لمبدأ "نفذ ولا تناقش"، وكلا الشرطين متحقق في خنفر.

عام 2008 وجد ضابط الصف الإخواني، وضاح خنفر، نفسه أمام اختبار أول حينما أبلغه وليُ نعمته أميرُ قطر أنه سيرتكب منكرا، ما سبقه إليه من إخوانه في الجماعة أحد من قبل، علناً على الأقل، والله يتولى السرائر.

وجاءت التعليمات واضحة محددة: "ستجتمع مع وزيرة خارجية أصدقائنا اليهود الصهاينة"، الذين يصفهم حمد بن جاسم بـ"مخففي الضغط عن قطر في واشنطن".

وقع الأمر كالصاعقة على وضاح، وربما يكون أكثر ما بحث عنه في ذلك الوقت هو "رأي الجماعة" في هذا المنكر.

وفي العاصمة الأردنية عمان، عرضَ خنفر أمرَ ولي النعمة على ولي أمر الجماعة، فوافق مرشد الجماعة ـ ربما تقية ـ على فعل المنكر.

وعاد خنفر إلى الدوحة، وعقد اجتماعه في فندق "الشيراتون" ولكنه ـ والحق يقال ـ التزم بالشرع في قضية المحرم، للحيلولة دون أن يكون اللقاء خلوةً غير شرعية، فأخذ معه مجموعة ممن يثق في كتمانهم لأمر المنكر.

 وطلب الوفدُ الإسرائيلي إحضار كاميرا تلفزيونية لتسجيل الاجتماع، لكن خنفر احتال عليهم، وأمر بجلبها دون شريط، كي لا يوثق الحدث، وجرى المنكر بحضور الجماعة، ووضع خنفر، دون تحرج، يده في يد وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني قاتلة أطفال غزة، وطلبت منه ما تريد، وأجابها بما أُمر أن يجيبها به من ولي نعمته أن "سمعاً وطاعة مولاتي وحبيبة مولاي".

كان وضاح يظن أن ثقته في الشهود، وعدم وجود شريط يوثق الحدث، ستجعله كأن لم يكن، لكن المنكر تسرب من خلال الصحافة الإسرائيلية، أما التفاصيل فمن رواة حاضرين.

بدايات خنفر مع الجزيرة مراسلات عبر الهاتف من جنوب أفريقيا، يمررها صديقه في ذلك الوقت بقسم المقابلات، وذلك لمساعدته ماديا، حيث كان يتلقى تعويضا عن كل مقابلة كباقي الضيوف، ثم تطور الأمر إلى أن أصبح مراسلا، ثم لعب دوره في حرب العراق، الذي أشاد به الغزاة قبل الجماعة.  

طُرح اسمه من قبل الجماعة وجهاتٍ أخرى على أمير قطر، على أن يستلم المهمة التي جُهز لها، وكانت تلك اللحظة نقطة تاريخية فاصلة في التحول القطري نحو جماعة الإخوان المسلمين.

بدأ ابن الجماعة البار وضاح خنفر في تضخيم قناة الجزيرة لتنتشر عروق وشرايين الجماعة فيها، فكان لا يمر يوم إلا وعين أحدهم في موقع ما، وقد اتبع استراتيجية ذكية في تمكينهم في الجزيرة، حيث امتنع في الفترة الأولى عن إدخالهم لغرفة الأخبار، إذ كان جل من يعملون في غرفة الأخبار من الصحفيين اليساريين الذين وجدهم أمامه، والذين دخل معهم، أو مع المهنيين منهم، في مشاحنات وصلت لدرجة استدعت تدخل رئيس مجلس الإدارة، لكنه استطاع، وهو المسنود، تكوين إدارات موازية كثيرة، لم يكن فيها إلا أعضاء التنظيم.

وفي فترته الأخيرة أطاح خنفر بأغلب الصحفيين المؤسسين لقناة الجزيرة، خصوصا مدراء المكاتب، وهمش الذين لا يتفقون معه إيديولوجيا في غرفة الأخبار، وذلك بإنشاء قسم لمراقبة الجودة، الذي يُسمى داخليا بالتقاعد المريح، وأحيل إليه كل من لا يؤمن بفكر الإخوان ويمكن الاستفادة منه لاحقا، وأصبح الأمر واضحا للعيان.

كان أكبر دعم إعلامي حصلت عليه جماعة الإخوان المسلمين في تاريخها فترة وضاح خنفر مديرا لقناة الجزيرة، حين استطاع توظيف جل شبابها، ودرب البقية ليقودوا أذرعاً إعلامية، فيما سُمي بالربيع العربي لاحقا، وكأن خنفر كان على علم بهذه الثورات قبل حدوثها بسنوات، ولا غرابة في ذلك، فالمخطط غير بعيد منه.

لقد لعبت الجزيرة كما رسمت قطر وحلفاؤها الإخوانجية دورها التحريضي في تقسيم المقسم، ونشر الفوضى والقلاقل والموت والدمار على امتداد الخارطة العربية.

ومقابل الوفاء لقطر والجماعة، يستمر القيادي الإخواني وضاح خنفر حتى آخر نفس وبدعم قطري في قيادة أذرع أخرى، وفي المهمة ذاتها، ينفخ في بوق قطري دعاية ممجوجة، لم تعد تنطلي على أحد، عن المصلحة العربية، وحماية الثوابت الدينية، وتحرير القدس بجيش عرمرم، يتوهم المشاهد والسامع والقارئ لأباطيل قطر أن أول هذا الجيش على مشارف بيت المقدس، في حين يقبع أوله وآخرُه في فنادق الدوحة "دار الخلافة".