تطورات الحرب الروسية الأوكرانية تهدد باندلاع حرب نووية، ولكن هل هناك من رابح في مثل هذه الحرب؟ ومن هو الخاسر الأكبر؟

الرئيس الروسي، فلاديمير بوتِن، يجدد تهديده باستخدام السلاح النووي، بعد أن تمكنت أوكرانيا من استعادة خاركيف من القوات الروسية. فهل هو مجرد تهديد؟ أم أن احتمالات الحرب النووية قائمة وصارت تشكل خطرا جديا يتهدد السلم العالمي؟

أغرب ما في الحرب الروسية الأوكرانية أنه لا توجد مساع دولية جدية للتوصل إلى حل لها، حتى بعد مرور سبعة أشهر على اندلاعها. فإن كان الطرفان، روسيا من جهة، وأوكرانيا وحلفاؤها الغربيون من جهة أخرى، غير قادرين على التفاوض، بسبب موقفيهما الراسخيْن، فلماذا تصمت الصين التي تتمتع بعلاقات جيدة مع روسيا، وعلاقات عمل معقولة مع العالم الغربي عموما، رغم خلافها الاقتصادي مع الولايات المتحدة؟

الوساطة التركية في بداية الأزمة لم تكن مجدية، لأن تركيا عضو في حلف الناتو، ولا تمتلك الثقل الدولي الذي يقنع روسيا بفاعلية الوساطة. الأمر نفسه تقريبا ينطبق على فرنسا، رغم ثقلها الدولي، وكونها عضوا في مجلس الأمن، يعطيانها الفاعلية المطلوبة، لكنها هي الأخرى من الدول الغربية الأعضاء في حلف الناتو، ولا يمكن روسيا أن تنظر إليها كطرف محايد.

الصين أقدر من أي دولة أخرى في العالم على التوسط وحل المشكلة لأنها دولة عظمى، وغير محسوبة على العالم الغربي، وأن اتخاذها موقفا حازما من التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا، يمكن أن يقنع روسيا بتغيير سياستها الحالية المبنية على الحسم العسكري.

الرئيس بوتِن برهن على أنه لا يتردد في الإقدام على اتخاذ القرارات الصعبة، وغير المتوقعة، من أجل المضي بأجندته الرامية إلى أن تكون روسيا دولة عظمى يهابها العالم، والتأريخ الحديث مليء بالأدلة على تصميم الرئيس الروسي في هذا الاتجاه، منذ مجيئه إلى السلطة فعليا عام 1999 ورسميا عام 2000.

لقد أقدم بوتِن على حل الخلاف مع جورجيا عبر عمل عسكري عام 2008، والذي يعتبَر الحرب الأولى في القرن الحادي والعشرين، وكانت الأسباب هي نفسها التي سيقت للتدخل في أوكرانيا، وهي تسلم حكومة موالية للغرب السلطة في جورجيا، واتهام روسيا لها بارتكاب إبادة جماعية بحق الأوتيسيين والأبخازيين، الذين سلّحت روسيا قسما منهم ودعمتهم بقواتها البرية والبحرية. وقد انتهت تلك الحرب بوساطة الرئيس الفرنسي الأسبق، نيكولاي ساركوزي، إذ انسحبت القوات الروسية من المدن الجورجية التي احتلتها، وهي زوغديدي وسيناكي وبوتي وغوري، بينما بقيت أجزاء أخرى، وهما مقاطعتا أبخازيا وأوتيسيا، ضمن الهيمنة الروسية، إذ انفردت روسيا بالاعتراف بهما كجمهوريتين مستقلتين. والغريب في الأمر أن العالم الغربي لم يحتج فعليا ولم يقطع العلاقات مع روسيا أو يفرض عليها عقوبات.

وفي عام 2014، أقدمت روسيا على دعم الانفصاليين الروس في شبه جزيرة القرم، وهي جزء من أوكرانيا باعتراف روسيا عام 1962، باعتبارها ملتصقة جغرافياً بأوكرانيا، وأن شعبها متنوع الأعراق، بين روس (الغالبية) وأوكران وتتار قرميين، وتتار، وبيلاروس، وأرمن ويهود أوروبيين ويهود كرايتيين (أتراك). وبعد سيطرة الانفصاليين المدعومين بالقوات الروسية على مبنى البرلمان، أجري "استفتاء" مشكوك بنزاهته، أوكرانِيَّاً ودوليا، أُلحِقت القرم فعليا بروسيا. احتج الغرب عموما على العملية في القرم، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على روسيا، وأُخرِجت من مجموعة الدول الصناعية الثماني، فصارت الآن مجموعة السبع.

لكن روسيا لم تتأثر فعليا ولم تكترث لتلك العقوبات، خصوصا وأن أوروبا بقيادة ألمانيا، بقيت تتعامل معها تجاريا وتستورد منها الغاز، بل استمرت في إكمال إنشاء خط (نورد ستريم 2)، الذي اشتركت في تمويله ألمانيا مع روسيا، لنقل الغاز الروسي إليها، كي يعزز خط (نورد ستريم 1). وفي ظل قيادة أوباما المتساهلة، ثم قيادة ترامب غير المكترثة، إذ صار على غير العادة صديقا للرئيس الروسي، بل يعتقد أمريكيون كثر، أن الروس ساعدوا في انتخابه رئيسا للولايات المتحدة، ربما شعر الرئيس بوتِن بأن الغرب يعترف بحق روسيا في إعادة ترسيم حدودها الدولية.

الاعتماد الغربي على الطاقة الروسية، وغض النظر عن التدخل الروسي في جورجيا، ثم في شبه جزيرة القرم، قد شجعا الرئيس الروسي، الذي يحلم بإعادة الحياة للإمبراطورية الروسية، على الإقدام على مغامرته الأخيرة في أوكرانيا، والتي ما كانت لتحصل لو أن الغربيين عموما، والأمريكيين خصوصا، قد اتخذوا موقفا حازما من تدخلاته السابقة.

روسيا الآن تهدد باستخدام السلاح النووي من أجل تفادي الهزيمة في أوكرانيا، وفي ظل غياب الوساطات العالمية المؤثرة لحل الازمة، خصوصا من الصين والهند، اللتين أعربتا مؤخرا عن انتقادهما للتدخل الروسي في أوكرانيا، رغم مواصلتهما التعامل التجاري والدبلوماسي الطبيعي معها، قد يدفع الرئيس الروسي إلى استخدامه استخداما محدودا لاختبار ردة الفعل العالمية.

الدول النووية الخمس، الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أعلنت في بيانها الصادر في 3 يناير من هذا العام، قُبيل الحرب في أوكرانيا، والذي نشره موقع البيت الأبيض، أنها تعتبر "تجنب الحرب النووية بين الدول التي تمتلك السلاح النووي، مسؤوليتها الأساسية، وأن الحرب النووية لا يمكن أن يكون فيها رابح، ويجب ألا تشنها أي دولة مطلقا وأبدا". وقد أعادت هذه الدول التأكيد على هذا البيان في مؤتمر "الحد من انتشار الأسلحة النووية"، المنعقد في نيويورك مطلع شهر أوغسطس الماضي.

روسيا أكدت دائما التزامها بأنها لن تستخدم السلاح النووي ابتداءً، إلا إذا تعرض وجودها للخطر، وليس وحدة أراضيها. لكن هذا التأكيد لا يبدو جديا. فاعتزامها إجراء "استفتاء" في الأراضي التي احتلتها من أوكرانيا أخيرا، والذي سيجعل هذه الأراضي جزءا من روسيا، سيقدم تبريرا للرئيس بوتِن باستخدام السلاح النووي لإنقاذ مشروعه، على الرغم من أن دفاع أوكرانيا عن أراضيها، المعترف بها دوليا، لا يشكل تهديدا لوجود روسيا ولا لوحدة أراضيها، حتى وإن سلَّمنا بأن الأراضي التي سيطرت عليها روسيا أخيرا، هي جزء من روسيا.

وترى جوليا كورنوير وماريون مسمر، الباحثتان في برنامج الأمن الدولي في معهد تشاتام هاوس للسياسات الدولية، في تقرير نشره المعهد، أن روسيا لا تستطيع عمليا أن تستخدم السلاح النووي في أوكرانيا، خصوصا في المناطق القريبة منها، والتي تعتزم ضمها "لأن الأضرار البشرية والبيئية ستكون هائلة، وأن مثل هذا الهجوم، إن لم يؤثر على الجيش الروسي تأثيرا مباشرا، فإن الحرارة الهائلة والإشعاعات المدمرة سوف تمتد إلى أعماق روسيا. وقد تساعد الأنواء الجوية على نشر أضرار الهجوم النووي في عموم أوروبا".

بينما يرى ألكساندر بونوف، الباحث في مركز كارنيغي للسلام الدولي، أن روسيا قد تبدأ الآن باستهداف المواقع الأوكرانية التي كانت تتردد سابقا في استهدافها.

إن استخدام روسيا للسلاح النووي ضد أي دولة عضو في حلف الناتو، سوف يستدعي دون شك، تدخل حلف الناتو إلى جانبها، وبالتأكيد سوف يبرر لدول الناتو النووية، خصوصا الولايات المتحدة، استخدام السلاح النووي ضد روسيا، الأمر الذي يجعل من الحرب الحالية، خطرا يتهدد العالم أجمع.

يعتقد كثيرون بأن روسيا، إن قررت استخدام السلاح النووي لإنقاذ مشروعها، فإنها سوف تستخدمه ضد أعضاء حلف الناتو، وبالتحديد بريطانيا، التي تقف بقوة، شعبا وحكومة، إلى جانب أوكرانيا. وسبب هذا الاعتقاد، كما ترى الباحثتان، جوليا كورنوير وماريون مسمر، هو أن وسائل الإعلام الروسية تلمِّح إلى ذلك، وتستهدف بريطانيا في دعايتها المضادة.

 لكن بريطانيا قوة نووية مهمة، وأن أي هجوم عليها ستكون له عواقب وخيمة على روسيا، بل إن أي هجوم نووي على بريطانيا سوف يؤثر على دول أوروبا الأخرى بسبب القرب الجغرافي والعوامل الجوية.

من الواضح أن التهديد الروسي باستخدام السلاح النووي يهدف إلى إخافة الشعوب الأوروبية من الخطر الروسي والتقليل من دعمها لأوكرانيا، لكن هذا لن يحصل، فالدول الأوروبية تعلمت من مجريات الحرب العالمية الثانية، أن أي خضوع أو تهاون مع التهديدات العسكرية له نتائج عكسية، لذلك فهي لن تتساهل هذه المرة مع روسيا، لأن ذلك سيشجع الرئيس الروسي على الاستمرار في مشروعه الذي قد لا يتوقف عند أوكرانيا.

من غير المتوقع أن يدفع التهديد الروسي باللجوء إلى السلاح النووي، حلف الناتو لأن يغيِّر سياسته الحالية الرامية إلى ردع روسيا ومعاقبتها، فمثل هذا التهديد، إن حقق نجاحا أو تغييرا في السياسة الغربية الآن، فإنه سيتجدد مستقبلا، وسوف يشجع، ليس روسيا فحسب، بل دولا أخرى، على اللجوء إلى السلاح النووي لتحقيق مكاسب سياسية أو توسعية على حساب الدول الأخرى، عندما تعجز عن حل مشاكلها عبر التفاوض والحوار. كما سيدفع دولا عديدة إلى السعي لاكتساب السلاح النووي، ما يعني أن العالم سيشهد سباقا محموما في التسلح النووي والتقليدي.

إن التهديد بالسلاح النووي أمر خطير للغاية، حتى وإن كان مجرد تهديد لإخافة الخصم، لأن أي تهديد من هذا النوع لا يمكن تجاهله، بل لابد أن يؤخذ على محمل الجد، ولا شك أن حلف الناتو يعتبِر التهديدات الروسية جدية، خصوصا وأن الرئيس بوتِن نفسه أكد أنها ليست مجرد تهديدات، وأن الحلف مستعد للتعامل معها والرد عليها، وربما يسعى بطرق مختلفة لإيقاف مثل هذا الهجوم النووي قبل حدوثه.

خطر الحرب النووية ليس وشيكا، لكنه جدي، وإن بقيت دول العالم، خصوصا الكبرى منها، تتفرج على هذه الأزمة، دون أن تبحث جديا في إيجاد حل لها، فإن القلق العالمي من وقوع الحرب، مجرد القلق، سوف يربك الاقتصاد، ويدفع دولا عديدة إلى زيادة التسلح، وكثيرا من الشركات والمؤسسات والأفراد إلى إعادة النظر في الخطط والحسابات المستقبلية، وهذا يعرقل النمو الاقتصادي والتقدم العلمي، ويتنافى مع الاستقرار الذي تنشده المجتمعات البشرية.