اعتاد الاقتصاديون على إطلاق أوصاف الطائرة على الاقتصاد، فهو يقلع ببطء أو بقوة، ويواجه مطبات عاصفة، ثم يهبط بهدوء أو بقوة، تماما كالطائرة، ولكن ماذا لو أن الاقتصاد لم يقلع أصلا، وبالتالي لم يواجه مطبات عاصفة أو هادئة، ولا يحتاج أن يهبط، بهدوء أو بقوة؟

الاقتصاد البريطاني مثلا، تنطبق عليه حالة الطائرة التي تدور في المطار، رغم محاولات التحفيز الجارية منذ 3 أعوام. التنبؤات تحدثت عن إقلاع وهبوط هادئ، لكن الذي حصل أنه لم يقلع ولم يهبط، بينما تحاول وزارات المال والخزانة والتجارة والصناعة، إضافة إلى "وزارة الارتقاء بالمستوى"، أو Levelling Up Department، أن تدفعه كي يقلع، لكنه بقي عصيا على الطيران.

ومما يستحق الذكر هنا أن "وزارة الارتقاء بالمستوى" هي اختراع بريطاني فريد، لم تقلِّده حتى الآن أيُّ دولة، ابتكره رئيس الوزراء الأسبق، بوريس جونسون، عام 2021، بهدف تحسين الأداء الحكومي لرفع مستوى المناطق التي اعتُبِر تطورُها دون المستوى السائد في بريطانيا.

وكان مصطلح "الارتقاء بالمستوى" قد استخدم بخصوص المساواة الدينية (بين البروتستانتيين والكاثوليك)، وأول من استخدمه تشارلس باري، المحامي العام للدولة عام 1868 في عهد رئيس الوزراء بنيامين ديزريلي، قائلا "إن أريد تفعيل المساواة في إنجلترا، فيجب أن يكون إما بالارتقاء بالمستوى أو الهبوط به!

وخير دليل على التخبط الاقتصادي أن بنك إنجلترا لم يرفع أسعار الفائدة الشهر الماضي، ولم يعِد بخفِّضها، بل لم يسعَ حتى إلى مناقشة الموضوع، وهذا يترك الجميع في حالة إرباك، رغم أن معدل التضخم انخفض إلى 4.6% خلال عام 2023، بعد أن كان 11.1% عام 2022. هناك اقتصاديون يخشون حدوث تدهور أكبر مطلع العام المقبل.

محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، رفض تحديد موعد لخفض سعر الفائدة، قائلا إن الوقت ليس مناسبا. إذن، لا إقلاع ولا هبوط ولا عواصف محتملة، رغم أن حكومة المحافظين تسعى حثيثا لتحقيق إنجاز اقتصادي قبل الانتخابات، التي يجب أن تُجرى قبل نهاية يناير عام 2025، وهناك توقعات بإجرائها في الربيع، أو في أكتوبر 2024.

لكنَّ هناك وضوحا في أميركا حول المستقبل، إذ أعلن رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي، جيروم باول، بأنه لن يرفع أسعار الفائدة، بل إن الوقت قد حان لمناقشة خفضها، عازياً سبب إبقاء معدل الفائدة دون تغيير، إلى انخفاض معدل التضخم دون تأثير على معدل البطالة.

خبراء الأسواق الأميركية يتوقعون بأن مجلس الاحتياط الفيدرالي سوف يخفِّض أسعار الفائدة ثلاث مرات العام المقبل. وهذا التوقع مبني على إشارة المجلس إلى أن العام المقبل سيشهد انخفاضا في اسعار الفائدة إلى 4.6%، ثم إلى 3.6% في عام 2025.

معدل التضخم الأميركي انخفض إلى 3.14% خلال الشهر الماضي، مقارنة مع 7.1% في العام الماضي، والتنبؤات تشير إلى أنه سينخفض إلى 2.4% عام 2024، لكنه مازال دون هدف الاحتياط الفيدرالي المحدد بـ2%.

المشكلة أن الأخبار الإيجابية التي أعلنها الاحتياط الفيدرالي، بإبقاء سعر الفائدة على حاله والتفكير جديا بخفضه، ساهمت في رفع توقعات الأسواق، وأحدثت حركة شراء غير عادية، سواء في الأسهم أو المواد الأخرى، ما أدى إلى ارتفاع مؤشر الأسعار الاستهلاكي (الأساسي) بمعدل 0.1% عن الشهر الماضي، إلى 3.7% مقارنة بالعام الماضي. وينبئ ارتفاع مؤشر الأسعار الاستهلاكي (الأساسي) باحتمال ارتفاع معدل التضخم، خصوصا وأنه يستثني المواد المتقلبة الأسعار، كالمواد الغذائية والطاقة، بينما يشمل مؤشر الأسعار الاستهلاكي (الرئيسي) أسعار المواد الاستهلاكية كلها، وهو في العادة أعلى من (الأساسي) لأنه يشمل مواد مرتفعة الأسعار.

وترى الخبيرة في الاستثمارات الاستراتيجية في بنك (بي جي مورغان)، سارة ستيلباس، أن تخفيض تنبؤات النمو الاقتصادي من 2.6% عام 2023، إلى 1.4% في عام 2024، يعني "أن مجلس الاحتياط الفيدرالي يتوقع تباطؤا في النمو، وليس كسادا". وترى ستيلباس أن هذه الخطوة ضرورية "لتسهيل الهبوط الهادئ للاقتصاد".

الملاحظ في سياسة مجلس الاحتياط الفيدرالي إن وجهته معروفة، وهذه في غاية الأهمية، لأن النشاطات الاقتصادية تعتمد كثيرا على معرفة توجهات المستقبل. إبقاء سعريْ الفائدة الأميركيَّيْن على 5.25% و5.10%، يعني ابتداءً أن الهدف من رفعه قد تحقق، أو على وشك التحقق، وهذا بدوره يعني أن التوجه المستقبلي لأسعار الفائدة تنازلي، ما يسمح بتجدد النمو الاقتصادي. والمجلس لم يترك الأمر عند هذا، بل أكد أنه سوف يناقش عملية الخفض، مشيرا إلى أن المعدل المحتمل سيكون 4.6%.

وترى سارة ستيلباس أن المجلس لن يخفض سعر الفائدة حتى النصف الثاني من العام المقبل، ما يعني أن السعر الحالي سوف يبقى لستة أشهر أخرى، كي يساهم في خفض معدل التضخم. المأزق الذي يواجهه الاحتياطي الفيدرالي، وباقي البنوك المركزية في الدول الصناعية في مثل هذه الظروف، هو أنه، إنْ خفَّض سعر الفائدة، فسيدفع الأسواق باتجاه استئناف حركتها النشيطة، ما يساهم في رفع معدل التضخم من جديد.

وإنْ هو أبقى سعر الفائدة مرتفعا، فسيساهم في دفع الشركات للتخطيط لتباطؤٍ طويل الأمد، وهذا يدفعها إلى تسريح العمال، الأمر الذي يدفع الاقتصاد باتجاه الكساد الطويل الأمد، الذي يلحق أضرارا كبيرة، وقد تطول عملية إصلاحه. البنوك المركزية في البلدان الصناعية مستقلة عن الحكومات، ويديرها خبراء متمرسون، ولا تتأثر إجراءاتها بأهداف الحكومات السياسية، لكن الحكومات تستطيع أن تضع سياسات ضريبية تحفيزية، من شأنها أن تدفع البنوك المركزية لاتخاذ إجراءات نقدية مقابلة.

مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، قرر هو الآخر الإبقاء على أسعار الفائدة الثلاثة، 4%، و4.5% و4.75%، دون تغيير، قائلا إن معدل التضخم (الأساسي) قد انخفض في الأشهر الأخيرة، لكنه على الأرجح سوف يرتفع مؤقتا على الأمد القريب. ويرى المجلس أن معدل التضخم (الرئيسي) لعام 2023، البالغ 5.4%، سوف ينخفض إلى 2.7% في عام 2024، ثم إلى 2.1% في عام 2025، و1.9% في عام 2026.

معنى ذلك أن هدف البنك ببلوغ معدل تضخم قدره 2% لن يتحقق إلا في عام 2026، إذ يبقى معدلا التضخم (الرئيسي) للعامين المقبلين، أعلى من هدف البنك. أما معدل التضخم (الأساسي)، الذي يستثني المواد المتقلبة الأسعار، فإنه سيبلغ، حسب التنبؤات، 5% في 2023، و2.7% في 2024، و2.3% في عام 2025 و2.1% في عام 2026. ويعزو البنك سبب إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، رغم انخفاض معدل التضخم، إلى أن الضغوط السعرية ما تزال عالية بسبب ارتفاع كلفة وحدة العمل.

مع ذلك تشير التوقعات إلى بقاء النمو الاقتصادي منخفضا على الأمد القريب في منطقة اليورو، لكن انتعاشا متواضعا، بحدود 0.6% في عام 2023، و0.8% في 2024، و1.5% لكل من عامي 2025 و2026، سوف يحصل بسبب انخفاض معدل التضخم المقرون بارتفاع مداخيل الأفراد وانتعاش الطلب الخارجي. ويأمل مجلس محافظي البنك، أن أسعار الفائدة المرتفعة سوف تحقق هدف البنك بمعدل تضخم 2%، أي أن أسعار الفائدة سوف تبقى مرتفعة حتى تحقيق الهدف المعلن، مهما طالت الفترة.

أسعار الفائدة في الدول الغربية تؤثر على حركة الاقتصاد العالمي لأن الدول الأخرى مرتبطة بها، فهي تصدر لها وتستورد منها. الدول المصدرة للطاقة تتضرر أيضا، لأن صادراتها تتأثر سلبا، خصوصا مع انخفاض أسعار المواد الخام. الكساد الذي يتولد نتيجة مكافحة التضخم يؤثر على جميع القطاعات، السياحية والترفيهية والخدمية، والدول التي تعتمد على السياحة تضرر جراء ذلك.

في الأسواق الآسيوية، كانت الأسهم الصينية الخاسر الأكبر. مؤشر (سي أس آي)، مثلا، خسر 1.7% من قيمة أسهمه يوم الأربعاء الماضي، فور إعلان مجلس الاحتياط الفيدرالي حول أسعار الفائدة. وسبب ردة الفعل السلبية هذه، هو أن المستثمرين لم يقتنعوا بالإجراءات الصينية لتحفيز الطلب، في الوقت الذي توجد فيه فرص استثمارية أخرى، أكثر ربحا.

الواردات الصينية انخفضت بنسبة 0.6% في نوفمبر، بينما ظل الطلب المحلي ضعيفا، مع استمرار أزمة سوق العقارات وتراكم الإنتاج في بعض القطاعات، بسبب تعثر الصادرات، نتيجة لتدهور العلاقة مع أميركا وأوروبا. خطة الانتعاش الصينية، المكونة من تسع نقاط، لم تنجح في تحفيز الاقتصاد، وهناك دعوات للحكومة الصينية بإعادة النظر في الخطة، إذ يخشى كثيرون بأن الاقتصاد الثاني عالميا، يتجه نحو تباطؤ خطير.

اليابان تعاني من الانكماش المزمن وتحاول الخروج منه دون جدوى. سعر الين تراجع مقابل الدولار الأسبوع الماضي، لكنه انتعش قليلا بعد إعلان مجلس الاحتياط الفيدرالي. وكان سعر الين قد ارتفع سابقا، إذ توقع المستثمرون تشددا في السياسة النقدية الأميركية، باعتبار أن التضخم لم يُكبح بعد، لكنه تراجع مرة أخرى بعد اتضاح الصورة. أسعار الفائدة اليابانية بقيت سالبة، والمقترضون يتقاضون فائدة مقابل الأموال التي يقترضونها، أي عكس ما يحصل في البلدان الأخرى. وعلى الرغم من ارتفاع الأجور، فإن السياسة النقدية بقيت متساهلة، لأن الارتفاع ليس كافيا كي يبرر التشدد النقدي.

تُولي الدول الصناعية أهمية قصوى لمقارعة التضخم، لأن أضراره الاقتصادية مدمرة، فهو يقلص قيمة المُدَّخرات بالنسبة للأغنياء، ويرفع كلفة المعيشة بالنسبة للفقراء، خصوصا مع بقاء إيراداتهم دون تغيير، وفي الوقت نفسه فإنه يربك الخطط الاقتصادية للشركات والأعمال، لأنها غير قادرة على حساب تكاليف المشاريع أو الأرباح المحتملة بدقة. معركة التضخم الحالية مازالت في أوجها. ورغم التفاؤل في أميركا، فإن هناك مؤشرات باشتداد النشاط اقتصادي نتيجة لإعلان البنك المركزي، وهذا من شأنه أن يرفع معدل التضخم من جديد.