الدول العصرية جميعا، الشقيقة منها والصديقة والعدوة، تتنافس فيما بينها، وتتعاون في الوقت نفسه، فكلاهما ضروري للتطور والازدهار.

التعاون ضروري من أجل خدمة المصالح الثنائية، ودرء الأضرار الناتجة عن عدم تنسيق الجهود، والتنافس ضروري من أجل تعظيم المنافع والحد من الخسائر المحتملة التي تنتج عن تفوق دولة وتخلف أخرى. وحتى الدول المتحاربة تتعاون لتقليص الأضرار وتفادي الأخطاء.

ومن الطبيعي أن ترتبط مصالح مواطني الدولة العصرية بنجاح بلدهم وتقدمه، وهذا الترابط العضوي يتحول إلى ولاءٍ للوطن، يولد تكاتفاً بين مواطنيه لتطويره وإعلاء شأنه. والعلاقة بين المواطن ووطنه ترتقي وتترسخ بمرور الزمن لتشكل هوية المواطن التي تمكنه من العيش بفخر وكرامة، وتدفعه للدفاع عن الوطن والتفاني في سبيله.

غير أن المؤمنين بالدولة الأيديولوجية أو الدينية، يطورون ولاءً من نوع آخر، يكون على حساب الوطن والكرامة والهوية. وهذا الولاء يلغي التنافس بين الدول المتطابقة أو المتقاربة أيديولوجيا أو دينيا أو ثقافيا، بل ويحتم أن على الدولة أن تضع مصالحها الوطنية جانبا، وتنصهر في الدولة الأكبر منها، من أجل حماية الأيديولوجية أو الدين أو المذهب.

مثل هذا الوهم قد حصل إبان العهد الشيوعي، عندما كانت الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية تخدم مصالح روسيا، باعتبارها "بيضة الشيوعية" وحاملة لوائها، ولم يكن زعيم الحزب الشيوعي في أي من الدول الشيوعية "المستقلة" يتولى منصبه حتى يحصل على موافقة الكرملين، ما جعل تلك الدول تابعة فعليا لموسكو.

وهذا الوهم يحصل حاليا بين المؤمنين بولاية الفقيه، الذين يقدمون مصالح إيران على مصالح دولهم باعتبار أن إيران هي "بيضة الإسلام". بل إن هؤلاء يذهبون بعيدا، فيقدمون مصالح الصين وروسيا على مصالح بلدانهم، لأنهما متحالفتان مع دولتهم المقدسة، باعتبار أن مصلحتها تتفوق على باقي الأهداف. وهؤلاء بالتأكيد لا يفهمون كيف تدار الأمور في العالم المعاصر، لأنهم ابتداءً يحتكِمون إلى العواطف الضيقة المبنية على أوهام، بينما المصالح ليست أولوية عندهم.

والطريف أن الولائيين من غير الإيرانيين هم ملكيون أكثر من الملك، فمعظم الإيرانيين لا يؤمنون بنظام ولاية الفقيه، وقد ثاروا عليه مرات عديدة منذ تأسيسه، كان آخرَها ثورة النساء أواخر عام 2022 التي أشعلها موت الشابة مهسا أميني، أثناء اعتقال (شرطة الأخلاق) لها، بسبب تساهلها في ارتداء الحجاب.

لقد أشار استطلاع أجرته مؤسسة "غامان" Gamaan الهولندية المتخصصة بالبحوث الاجتماعية، ونشره موقع "ذي كونفرسيشن" The Conversation في 10 سبتمبر عام 2020، إلى أن 72.2% من الإيرانيين لا يؤمنون بأي دين وأن 32.2% فقط يصنفون أنفسهم بأنهم شيعة. ويستنتج الاستطلاع بأن توجه الإيرانيين المتصاعد نحو العلمانية هو بسبب استيائهم من أداء النظام الديني الذي يحكمهم، علما أن 78.3% منهم قالوا إنهم يؤمنون بالله.

لكن الطبقة السياسية/الدينية، التي لا يؤيدها سوى أقلية من السكان، تستخدم الأيديولوجية الدينية الشيعية للهيمنة والتوسع وتأسيس امبراطورية جديدة خارج حدود الدولة الإيرانية، مع علمها بأن أكثر من ثلثي الإيرانيين لا يتفقون مع سياساتها، لكن بعضهم قد يجد ما يناغم مشاعره القومية في السياسيات التي تبدو وكأنها تُعلي شأن إيران عالميا، خصوصا "النِدِّية" التي يدعيها النظام، علما أنها غير موجودة.

إن كان العراق، الذي تبلغ مساحته ربع مساحة إيران، وعدد سكانه نصف سكانها، قد ألحق بإيران هزيمة عسكرية على مدى ثماني سنوات من الحرب، واضطرها لوقف إطلاق النار عام 1988، وإبرام معاهدة سلام معه، فكيف يمكن أن تكون إيران نِدّا للولايات المتحدة، الدولة الأقوى والأغنى والأكثر تسلحا وتقدما في العالم، والتي تقود تحالفا دوليا يضم معظم الدول الصناعية في أوروبا وأميركا وآسيا وأستراليا، وتقود حلف الناتو، الذي يضم 32 دولة، معظمها دول صناعية تتمتع بإمكانيات واسعة؟

يبدو أن السياسيين الإيرانيين الحاليين ما زالوا يعيشون في عهد الامبراطوريات الدينية، الذي انتهى منذ مئات السنين، وبالتحديد، عندما بدأ عهد الدولة الحديثة (الويستفيلية)، نسبة إلى مؤتمر (سلام ويستفيليا) عام 1648، الذي أقر أن لكل دولة سيادة كاملة على أراضيها. وهذا المبدأ صار جزءا من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، الذي ينص على أن الأمم المتحدة لا تتدخل مطلقا في القضايا التي تقع ضمن السلطة الوطنية للدولة المستقلة.

أما الامبراطوريات الاستعمارية، التي بدأت في منتصف الألفية الثانية، قد انتهت عمليا منذ مئة عام تقريبا. آخر امبراطورية هي البريطانية، التي بدأت تتخلى عن مستعمراتها منذ بداية القرن الماضي، وأول مستعمرة استقلت عنها كانت جنوب أفريقيا عام 1910، وبعد ذلك انتفضت الهند مطالبة بالاستقلال، وتشكل المؤتمر الوطني الهندي عام 1919 بزعامة المهاتما غاندي، لتنال الهند استقلالها الكامل من بريطانيا عام 1947.

الدول تُؤسَّس في العادة لخدمة سكانها، أو مواطنيها حسب المصطلح العصري، وحمايتهم وصون حرياتهم وممتلكاتهم، وهي في هذا تشبه إلى حد ما، الشركات التساهمية، التي تسعى لخدمة المساهمين فيها، وتعظيم أرباحهم. الشركات تتعاون لخدمة مصالحها وزيادة أرباحها، لكنها في الوقت نفسه تتنافس تنافساً شديداً لكسب حصة أكبر من السوق، والظفر بعقود مجزية، وتجويد منتجاتها، بحيث تكون مرغوبة ومطلوبة، أكثر من منتجات الشركات الأخرى العاملة في الحقل نفسه.

ومهما كانت العلاقات وثيقة بين دولتين أو أكثر، فإن هناك دائما مجالا للتنافس والتضارب في المصالح، غير المنسجمة بطبيعتها، لأن تحقيق مصلحة كلية لهذه الدولة، لابد وأن يأتي على حساب دولة أخرى، لذلك وُجِدَت الحاجة للتواصل والتفاوض بين الدول، من أجل تحديد مسؤوليات ومصالح كل منها. القوة في العصر الحديث تكمن في التحالفات بين الدول المتقاربة سياسيا وثقافيا، والتي يمكنها أن تتعاون اقتصاديا وعسكريا من أجل تعزيز مصالح بعضها البعض.

التحالف الغربي، مثلا، الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبرز فيه خلافات حول القضايا السياسية والاقتصادية، ولكنها تُحل عبر التفاوض لبلوغ الحد الأدنى من الأهداف التي تخدم الأطراف المعنية. وإن لم تُحَل هذه الخلافات، فهي لا تقود إلى قطيعة أو عداء بين الطرفين لأن المشتركات كثيرة والمصير واحد. مثلا، الولايات المتحدة اختلفت مع ألمانيا حول استيرادها الغاز من روسيا، وكانت ترى أن الاعتماد على روسيا خطير استراتيجيا، لكن ألمانيا أصرت على استيراد الغاز الروسي لتدني أسعاره، وساهمت في تمويل خطٍ ثانٍ لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وهو (نورد ستريم 2).

ورغم أن التحالف الغربي متماسك ثقافيا وسياسيا، ومتحالف عسكريا، إذ يوجد لديه حلف الناتو، بالإضافة إلى التحالفات الثنائية بين الولايات المتحدة والدول غير الأعضاء في الناتو، كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، لكن الخلافات تبرز حتى بين دول الكتلة الواحدة، كالاتحاد الأوروبي، الذي تطمح دوله لأن تتوحد في دولة واحدة مستقبلا. وتتركز الخلافات في العادة على القضايا الاقتصادية، وحتى الخلافات السياسية، تتمحور حول الاقتصاد.

المشكلة في بعض الحركات السياسية في العالم العربي، خصوصاً الحركات الإسلامية، أنها لا تكترث للمصالح الاقتصادية، بل همها الأول والأخير هو الانسجام الأيديولوجي، وبعضها يختلق مصالح وهمية مع الدولة التي ينسجم معها أيديولوجياً، كي يبرر التقارب معها.

في العراق مثلا، توجد قوى سياسية توالي إيران وتقدم مصالحها على مصالح العراق، بل وتهاجم مصالح الولايات المتحدة التي أبرم العراق معها معاهدة الإطار الاستراتيجي الشاملة، ولديه اتفاقية أمنية معها، بحيث أنها تتدخل لحمايته من أي خطر يحدق به، وقد استعان العراق بها عام 2014 وتدخلت لصالحه وساهمت مساهمة فعالة في تخليصه من الجماعات الإرهابية.

هذه القوى المسلحة تأتمر بأمر إيران، وإيران تسعى حثيثا للهيمنة كليا على العراق، وهذه الهيمنة لا تتحقق إن كان هناك وجود عسكري أميركي فيه، لذلك تدفع هذه الجماعات لمهاجمة القوات الأميركية، كي تخرج، فيبقى العراق ضعيفاً أمام الأخطار الإرهابية والدول الطامعة، وحينها تتمكن إيران من أن تدخِل حرسها الثوري (لحماية) العراق من الإرهاب، ثم تبقى تتحكم به اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا، كما أدخلت سوريا قواتها إلى لبنان عام 1976، ولم تخرج منه إلا بعد ثورة عارمة عام 2005، هي "ثورة الأرز"، التي اندلعت إثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري.

هذه الجماعات الولائية تتشدق بالوطنية رغم ارتباطها الأيديولوجي العلني بدولة أجنبية، وتسمي القوات الأميركية "محتلة"، علما أنها موجودة بطلب عراقي، وأن العراق دولة ذات سيادة منذ منتصف عام 2004، تحكمه حكومات عراقية منتخبة، وأن القوات الأميركية قد غادرت العراق كليا عام 2011، بطلب من الحكومة العراقية، لكن قوة صغيرة عادت مرة أخرى بطلب من العراق أيضا، مدعومة بقرار من مجلس الأمن الدولي، للمساعدة في تخليص العراق من الجماعات الإرهابية.

عالم اليوم يتطلب تحالفات مع الدول الفاعلة في العالم، والدول المهددة أمنيا واقتصاديا، مثل العراق، بحاجة ماسة لأن تحمي نفسها عبر تحالف مع دولة عظمى فاعلة عالميا، كالولايات المتحدة، كي تحمي أموالها وحدودها وسيادتها. لقد تمكنت اليابان من صيانة سيادتها وتطوير اقتصادها، ليتحول إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قبل بروز الصين كقوة اقتصادية، بسبب الاتفاقية المبرمة مع الولايات المتحدة، التي مكنتها من الشعور بالأمان والتوجه كليا لتطوير الاقتصاد.

تايوان، البلد الصغير المحاط بالأعداء، ما كانت لتبقى وتتطور اقتصاديا وسياسيا، لولا التحالف مع الولايات المتحدة، التي تعهدت بحمايتها من الصين. هناك دول عديدة ما كانت لتحافظ على استقلالها طويلا لولا الحماية الأميركية لها.

إن القوى التي تستسهل تسليم بلدانها إلى دولة أجنبية، لأسباب دينية أو أيديولوجية، إنما ترتكب جريمة تأريخية بحق شعوبها وبلدانها، وهي غير مؤهلة لإدارة دولة عصرية، ولا يمكنها أن تدعي الوطنية، وهي تتلقى أوامرها من قادة دولة أخرى، وهي في نهاية المطاف غير قادرة على البقاء طويلا في العالم المعاصر الذي يعتمد على العلم والعمل والتعاون والمرونة، ولا مكان فيه للخرافات والأساطير والتطرف.