قدر المفهوم أن يُجابه امتحاناً في الخطاب. فمن أُتيحت له الفرصة واستمع إلى طريقة الإسبان في محاوراتهم، سوف يتيقّن بأن اللغو عَصَب الوجود.

فهم، إذا اجتمعوا، لا يتجادلون، لكي يتفاهموا، لا يتحاورون لكي يَفهموا، أو لكي يُفهَموا، ولكنهم ينطلقون في حملة محمومة، فقط لكي يُخبِروا، يخبروا دون أن يستمعوا، يخبروا مع سبق إصرارٍ على ألّا يسمعوا. أي وجود نيّة مسبقة بأن لا يفهموا؛ لأن النيّة مسخّرة منذ البدء على تجاهل وجود الطرف الآخر، وإفراغ شحنة الذخيرة الكينونيّة، بإطلاق العنان لعضلة اللسان لكي تُدلي بحجّتها، مترجمةً في ثرثرة سخيّة، موصولة، تندفع كالطلقات الناريّة، لتبرهن على حضور فارس الحمولة، جارفةً في سبيلها كل ما يمكن أن يعترض سيولها. فاللغو هنا هو الحَكَم في المحادثة، وليس اللغة. فهل يُعقل أن تكون هذه النزعة العدمية ضرباً من استهانة بالحقيقة، أم هي مجرد طبع أصيل في طبيعة الأمّة، لا يعدم أن يكون احتفاءً بباطل أباطيل، والاعتراف به فحوى وجود؟

فحضور الانسان، في حضرة أخيه الانسان، حدث: حدثٌ محكومٌ بقوانين. علّ أول حرفٍ في أبجديّة هذا القانون هو حسن الاستماع. وهو فن لا يستقيم لنا عادةً بدون أقسى منازل الانضباط، برغم الشغف الجنونيّ بالسمع، المعبّر عنه في سفر الجامعة بـ"الأذن التي لا تملّ من السمع"؛ ربّما لأن الإصغاء أيسر منالاً من لجم العضلة المسمومة التي لا تُضبط، كما يصفها حكيم سفر يعقوب. وهو ما يطرح السؤال عن الغاية من الكلم، والجدوى من السمع. فإذا كانت الغاية من استخدام اللسان هي: التعبير عن الموقف، فإن الجدوى من السمع هي الفهم. ولكن كيف نستطيع أن نفهم، إذا كنّا منشغلين بالكلم؟ كيف نفلح في المشاركة في حوارٍ إذا كنّا لا نستطيع أن نقمع في أنفسنا الظمأ إلى القول؟ كيف السبيل لأن نفهم، إذا كان اللسان يسبقنا في كلّ مرّة، لكي يُدلي باعترافه، والسمع في المعادلة أعجز في الهجوم بسبب طبيعته كتلقّي؟

اللسان يتوثّب. اللسان دوماً وحش يقف على أهبة الاستعداد لكي ينقضّ، لكي يمزّق العُقال، والأذن تبقى دوماً في موقف الدفاع عن النفس، لأن غايتها ليس العدوان، ليس أن تنال، ليس أن تهيمن، ليس السلطة، ولكن غايتها الاستطلاع، غايتها الاستجلاء، غايتها التقاط النبأ: النّبأ الذي لم يكن يوماً مجرّد نبأ، ولكنه كان منذ الأزل: النبوءة!

يستطيع اللسان أن يحاجج فيقول إن من حقّه أن يحترف الهجوم، لأن غايته ليست مجرّد الهوس بالقول، ليس مجرد ضعفه أمام سطوة اللّغو، ولكنه محمومٌ بالسليقة، لأن رسالته التحرّر: التحرّر من وزر الحمولة. من وزر الحمولة في بُعْدها الكينوني، سعياً بالطبع وراء الفوز. سعياً لاجتناء فاكهة الخطر. سعياً لاقتناء: السلطة. وهو ما يعني أن من حقّ هذا النموذج الإسباني أن يندفع في هجومه اللساني الكاسح ليبدّد في طريقه جموع أناسٍ يراهم خصوماً، يعترضون سبيله كي يهيمن، لينقلب الحوار مبارزةً حقيقية لأطرافٍ ليسوا معنيين بأن ينقلوا رسائل لبعضهم البعض في المواجهة، ولكن كلّهم معنيّون بأن يطيحوا ببعضهم البعض، وبأسرع وقت أيضاً. ولهذا السبب يغيب الفهم بالطبع، فلا يغيب، بهيمنة سيول اللّغو، النّبأ وحده، ولكن تغترب، في حمّى المعركة، النبوءة أيضاً. تلك النبوءة التي لم تولد يوماً إلّا من رحم الصمت.

الصمت؟

بلى! الوحي كلّه سليل الصمت الشرعي. الوحي الإنساني، الوحي الشعريّ، الوحي الإلهيّ، حيث يتفتّح التجلّي، وتنمو بذار الإلهام، في بستان السكينة، فيشتدّ عود الأوتار الألوهيّة، وينبثق اللحن السماويّ، مشفوعاً بحمّى الأشجان، منشداً، في معزوفة الحقيقة، حُجّة التاسوع، في كتم أنفاس الأصوات في الأسافل، كي يتحمّم السمع من دنس اللّغو، ويستعير طُهر الحَرَم، استعداداً لسماع النّغم الغيبيّ، الحميم، كأنّه أنين المجهول، المثيل لطنين النحلة، لأن صوت النحلة قرون استشعار، تبشّر برطانة النبوءة. فاللغة نفسها تهرع لنجدتنا، عندما تتغنّى بالقِران المقدّس بين السماء والسمع، السمع لا في بُعده الروحي وحده، ولكن في بُعد الحرف أيضاً، لأن ما هي كلمة "سمع"، إن لم تكن "سماء" نفسها، ما العين، في الصفقة، سوى همزة، بدليل شراكتهما حتّى في التشكيل الأبجدي؟

فلا تحلّ أيّة كلمة أعجميّة، مشفوعة بالهمزة، في ضيافة العربية، إلّا وتتحوّل هذه الهمزة عيناً: فـ أوليس، ينقلب عوليس، وإيليس، تتحوّل علّيس، وإيمانويل، يستعير هوية عمانويل.. إلخ. ومن الطبيعي أن يستقيم مفهوم يسمو، في يسمع، لأن لا وجود لسموّ، هو بالمنطق، ارتياد لبراح السماء، بدون المرور بعتبة الإنصات، أو التّسمّع، أي التسامي؛ التسامي على مستوى حسّ، كما يبدو لأوّل وهلة، ولكن التسامي بالحسّ، ما هو إلّا ترويضٌ للتسامح بالحدَس، واستدراجٌ للبُعد الغيبيّ في ناموس البعد المفقود، فلا يملك المبدأ المرابط في أرباع المجهول إلّا أن يلبّي النداء؛ لأن التربّص في الصّمت طويلاً إحرامٌ، والتخلّي عن كل ما يبلبل انطلاقة الروح في فسحة التجلّي هو بمثابة التحدّي، الذي لا تصمد في فورته، وفي حميميّته، حتّى الألوهة، فتستجيب لمشيئته، كما اعتادت أن تستجيب لدعاء كل داعٍ، لأننا جرّبنا نحن أيضاً، في واقعنا الأرضي الفاني، أننا أضعف الكائنات ما أن نجابه استجداءً، فلا نملك، مهما كابرنا، إلّا أن نلين، ونتنازل، ونستجيب؛ لأن الاستجداء هو ترجمة لاستدعاء، استدعاءٌ مسكونٌ بماردٍ حقّاً، ولكنه لا يعود مارداً بطقوس الاستدعاء. استدعاءٌ يلعب فيه كتم الصوت دور البطولة، تسهيلاً لنزول ساحة الانقطاع، ساحة الخلوة، التي ترطن بلسان السماء، الذي لا يعترف بغير السكون ديناً. لأن اقتناص النبوّة، سيرةٌ عصيّة، مزروعة بالقرابين، فلا ينطق واقعها بالحقيقة، إلّْا مقابل التضحية بالمنطق!