الوطن، حتى في اللغة، وتنٌ (الإبدال الشائع بين الطاء والثاء)، وهو ما يعني، في ناموس العقل الميثولوجي، أنه معبود. معبودٌ في المتناول. معبودٌ له في الواقع الحرفيّ حضور. ولهذا السبب لا يشفي فينا الغليل. لهذا السبب لا نتردّد في أن نطرحه قرباناً، لننطلق بحثاً عن وطن البُعد المفقود. فليس وطن الحرف هو ما يستهوينا، ولكن وطن الحلم هو ما يغوينا.

ولهذا السبب نتخلّى عنه، برغم هويّته كمعبود، تماماً كما يتخلّى الإنسان عن بيت أمّه وأبيه ليلتحق بإمرأةٍ، يدفن فيها إغترابه، أو فلنقل، ليستودعها الجنين الغيبيّ الذي لم يولد إلّا ليلده، وهو قطعاً ليس بالضرورة الجنين الحرفيّ، ولكنه، بقدرٍ أعظم، الجنين الروحيّ.

لهذه العلّة صارت الهجرة منذ الأزل ضرباً من تضحية بالوطن الأمّ، في بُعده الحرفيّ، وطلباً مميتاً لنيل الوطن الذي يسكن البعد المفقود. أي خروجٌ طوعيّ من حضن الأمّ، ونزالٌ عصيّ للحلول في وطن الأب. جنسٌ وجيعٌ من تنكّرٍ لوطن الطبيعة، لاستعادة وطن الحدَس، المسكون بالأبوّة، ولذا فهو ترياق للإستشفاء من ضياعٍ هو بالجبلّة قدر وجود. وأن تكون المرأة هي الطُّعم الذي نصّبه سفر التكوين حجّةً لهجر بيت الأبوين، فما ذلك إلّا لماهيّتها كـ أنثى تكوين. أي أنها أعظم شأناً من كونها مجرد امرأة، ولكنها المقياس المرجعيّ في صفقة وجودٍ مخيّب للآمال، يكفيه حجّة أنه فانٍ، ولكن العزاء في اليقين بوجود الترياق في بُعدٍ مّا، المرأة، كنموذج تكوين، عليه وصيّ.

نخرج من الوطن. نهجر الوثن الذي أطعمنا من جوع وآمننا من خوف، لكي نحلّ في وطن الحلم الذي يسكن البعد المفقود، حاملين في جعبتنا السؤال، لأن الوطن إذا كان معبوداً، بيد أنه أمٌّ لها حضورٌ في واقعٍ حسّي، أمّا الأب ففي المعادلة دوماً طيفٌ عابر، بُعدٌ غائب، لا وجود له في الواقع، ولذا فهو حلم، هو وطن، كل ما هنالك أنه يسكن البعد الضائع، والوصول إليه يستدعي تضحية، بل تضحيات، يستدعي قبولاً بالتحدّي، والإرتماء في أحضان الحرية: حرية محفوفة بالمأساة لأنها رهينة قطع جذور.

أمّا الهجرة فهي ليست مجرد عبور نقطع فيه المسافات، ولكنها اغتراب بما هو ارتيادٌ لمنازل الروح، ولذا فهي معراج.

معراجٌ لا يتوقّف عند حدّ، ولا يعترف ببُعد، ما لم يحقق بَعثاً في ميلادٍ ثانٍ، يصلح حجّةً في الجدل مع واقعٍ يعتنق الباطل ديناً. أي أنه خروجٌ لانتزاع كلمة  السرّ من لسان الأب الضائع، لاستنطاق الوديعة النفيسة التي تنام في قلب طبيعةٍ نحسب بالفطرة أنها مجرد أمومة، ولا نكتشف إلّا بعد فوات الأوان أن ماهيّة الأنوثة فيها ليست سوى عتبة في سلّم رسالة أعظم شأناً، لا تتردّد في أن تستعير هوية الناموس الذي يحكم الكينونة. فالعالم بالطبيعة أنثى. وفي المجتمعات الحميمة الصلة بالطبيعة كالمجتمعات البريّة تزداد هذه العلاقة حميميّةً وأصالة وعمقاً. من هذا الواقع انطلقت مسيرة النظام المسمّى في ناموسنا بـ الأموميّ، حتّى إذا تأمّلنا معجم خطابنا المتداول اكتشفنا أن كل القيم، وكل المفاهيم، وكل المصطلحات التي تجري على ألسنتنا، ونعاملها في حياتنا اليومية كقدس أقداس، إنّما ترد في اللغة بصيغة تأنيث كالـ: الطبيعة، الحقيقة، الفضيلة، المحبّة، الشجاعة، المساواة، القيمة، النزاهة، العدالة، الروح، اليابسة، الشمس، الحياة، إلى آخر قائمة ما اعتدنا أن نعوّل عليه لا في خطابنا وحده، ولكن في وجودنا أساساً، فحقّ لإبن عربي أن يتغنَّى: «المكان الذي لا يؤنَّث لا يعوّل عليه»، ومن حقّنا أن نعقّب فنضيف: «كلّ ما لا يؤنّث لا يوَّل عليه». وهو ما يعني أن ليس من حقنا أن نندهش عندما ينصّب سفر التكوين هذا الطيف، المتنكّر في جرمٍ يبدو هشّاً كالمرأة، شبحاً ينتصب في الأفق، نهفو إليه في مباراة هجرتنا نحو البُعد المفقود. فهل المرأة هي الوطن الذي نضحّي به فنهجره، لكي ننتهي إليه بعد كفاحٍ مميت مع أهوال السبيل، تماماً كما حدث مع جلجامش العائد من رحلته الخائبة بعد أن أضاع تميمة الخلود بمكيدة الحيّة، فلم يجد سوى الكاهنة «إيسودورو»، التي لقّنته وصيّة عبث البحث عن الخلود، لأن قدر الرجل أن يسكن إلى إمرأته التي هجرها سعياً وراء حلم هو باطل أباطيل! هل المرأة هي اللغز الذي استجار به سقراط عندما أعجزته حكمته، التي اعترف له بها حتى إله معبد دلفى، فركع في بلاط الداهية «ديوتيما» لكي يتلقّى على يديها درس الحبّ، في بُعده العذري، أو بالأصحّ، الإلهيّ، الذي صار في مسيرة الأجيال إنجيلاً مازلنا نتغنّى به، لأن المرأة، في تلك الأمثولة الميثولوجية الخالدة، لعبت دور البطولة في فحوى الدرس، كما في خطاب المعلّم الذي لقّن الدرس؟

ألم يكن النموذج الذي صار رمزاً للهجرة في كل الأزمنة، كما هو أوليس، مثالاً يجسّد حقيقة ضياع كل مَن قرّر يوماً أن يقطع الجذور، ليفكّ الإرتباط بواقعٍ لم يكن مجرد مكان، ولكنه وطن، وثن، معبود، ليحتمل قدر النزيف طوال الفرار إلى البعد الضائع، طلباً للمثول في بلاط الحلم الضائع، فلا يجني من النزيف (بل من النزيفين: نزيف الجسد المشفوع بنزيف الروح) سوى الهول الذي حصد من العمر النصيب الأوفر، حتى إذا هيمن اليأس، واستصرخ البطل ربّ البحر «بوسيدون» لكي يقبض روحه، طمعاً في الخلاص، تلقّى فرمان الإله مترجماً في وصيّة تقول: «قبض روحك هو ما لم يخطر لي على بال، كل ما أردته هو أن أعلّمك ماذا يعني أن يحيا الإنسان بلا وطن!»، لينال، بهذا الحكم، غفران الإله، فيطلق سراح بطل الرحيل، ليجد نفسه على شطان «إيثاكا» المكان، لكن ليس إيثاكا المكان، ليس إيثاكا المملكة، ليس إيثاكا الوطن، ولكن إيثاكا الفحوى التي تتوارى وراء أسوار إيثاكا، «إيثاكا» المعبودة المسكونة بـ«إيثاكا»، «بنيلوب» التي انتظرته عشرين عاماً، وغزا الشيب شعرها وهي تحتال على المريدين (الذين يتبارزون ليقتل بعضهم بعضاً على بابها) بحبك النسيج الأسطوري الذي لا تنسجه في النهار إلّا لتفكّ خيوط حبكته في الليل، هي في الواقع الحجّة التي ارتضى امتطاء المعراج لكي يدركها وراء الآفاق، ولم يدرك إلّا الآن، بعد عودته، أنها الحلم الذي فرّ منه، بدل أن يهنأ به بالاً، ويسكن إليه. السكَن هنا بالمعنى القرآني، الذي يحرّض على أن نسعد بالحضور في حضرة هذا الطيف المسالم الحميم، الرحيم المسكون بالحبّ، لأنه وحده شهادة على وجود ما توهّمناه عنقاء مغرب، وهو السعادة، تماماً كما أوصت كاهنة الزمن الضائع «إيسودورو»، بطل الوسواس الضائع جلجامش، في ذلك الزمن الذهبي الذي سبق عهد الإنحطاط، الذي شهد طغيان قطب أبويّ، لم يتردّد في أن يسنّ الأعراف القاضية بوأد الإناث، استجابةً لنداء حساسية أخلاقيّة مزعومة!

ولكن ماذا بشأن الفريق الآخر من محترفي هجرة هذا العالم؟

ماذا بشأن الفئة التي لم ترتدّ إلى الوراء في هجرتها لتجد في انتظارها الملاك الحارس الذي تستطيع أن تسكن إليه أخيراً؛ وهي التي لم تبخل بالقربان عندما قطعت الجذور لتودّع أحبّ ما في دنيا الأنام قاطبة وهو الوطن؟

تلك لم تكون سوى الفئة التي آلت على نفسها أن تضحّي بالسعادة، بل وبالحبّ، وكل ما انتمى إلى طينة الواقع الدنيوي، لأنها بالهجرة تطلّعت إلى نعيم أبعد منالاً، قد يروقنا أن نخلع عليه إسم الحبّ الإلهيّ، وقد نجرؤ فننعته باسم الحقيقة!

إنها هجرة الأبعاد القصوى، لأن الهبة فيها لا تُنال إلّا في منعطف، قد يرتقي إلى مرتبة الضلال عن الصراط، المرسوم بفضل مشيئة الحلم المسبق، ولذا فهي جنسٌ من قَدَر.

هي قدرٌ بدليل أنها ليست تجربة خيار، ولكنها محنة إجبار، ولو لم تكن كذلك لما حاول مريدوها أن يتنصّلوا منها بمختلف الحيل، كما الحال مع النبوّة!

فمن هو النبيّ الذي لم يحترق بنار الهجرة قبل أن يصطفيه القدر ويكافئه باللقية العصيّة؟ فالهجرة تجربة لا تسكن الحرف دوماً، ولكن يروقها أحياناً أن تستعير هوية مجازيّة، فتزاوج بين هجرة الحرف وهجرة الإستعارة، كما الحال مع هجرة نوح، ثم مع هجرة يونس في بطن الحوت. أمها خاتم النبيين فقد عاش هجرة الروح في غار حراء لعقدين من الزمن، قبل أن يستجير بالهجرة الحرفيّة التي لعبت دور البطولة في نصرة ثمار هجرته الأولى!

لم تبخل الهجرة، كجنّة وحي، بهباتها الإلهيّة على مريدين آخرين كثيرين اختاروا الحقيقة ديناً، فكوفئوا بالإلهام بقدر تضحياتهم، لأن الوحي سُلّمٌ بمنازل ينال فيه النصيب المناسب أيضاً زرادشت، أو المغبوط، أو صولون، أو أفلاطون، أو زينون، ولكن الحصّة دوماً رهينة المكوس المدفوعة لجناب الهجرة. ليس أئمّة الحكمة وحدهم مَن يفوز، ولكن لأهل الرؤيا، والشعراء، والدراويش، أيضاً نصيبٌ من الغنيمة، ولكن يبقى القياس حتى هنا رهين عرّابة الأزمان: الهجرة، لأن قسطاس القياس في عرفها يظلّ مشروطاً بحجم الألم المستنزف في الرحلة!

فالمفارقة أن المريدين، عندما ينطلقون، لا يقدّرون خطورة ما يهوون. لأنهم ينسون أن الخلاص إذا كان رهين ما نخشى، فإن التحدّي يسكن ما نهوى. فإذا تغنَّى الشاعر (هولدرلين) بوصيّة: «حيثما هَيْمَن الخطر، فهناك يقيم الخلاص»، فليس لنا أن ننتظر خلاصاً، ما لم نستعدّ لخوض تجربة قصاص. فإن آمنّا بوجود الدَّيْن المستوجب الدفع، فجبنٌ منّا أن نستنكر سداد المكوس. وهو ما يعني أن الهجرة مجرّد حُجّة في معراجٍ حافل بالمفاجآت، لا في مفهومه الحرفيّ كسَفر وحسب، ولكن بصفته الروحيّة كمغامرة غيبيّة مطيّتها معراج!