في البدء كانت الأسماء كلّها نعوتاً. كانت مفهوماً مأمولاً. كانت مبدأً يتغنّى بمعنى، نستعيره لكي نخلعه على وليدٍ هو في محيطنا ضيف، تيمّناً بدلالة تسكن الصفة، صفة تستهوينا، لأن فحواها اغتربت عن واقعنا يوماً، ونسعى لاستعادتها، لنعلّقها تميمةً في عنق الوليد، ليعتنقها ديناً.
فأسماء العظماء، سواء أكانوا أنبياء أو أبطال أو كهنة أو دُعاة أسطوريين، هي دلالات تحتضن قيمةً، كثيراً ما تكون منسيّة، في صيغتها الأولى، لتغدو الدلالة فيها مفهوماً ضائعاً، بسبب غياب منطق اللغة الأولى. فالاسم دائماً فأل. فألٌ يتطلّع لأن يكتسب سلطةً، ليتحوّل نبوءةً. نبوءة تحقق الحلم المأمول في مسلك حامل الاسم مستقبلاً. أي أن الإسم رهان لاستعطاف القدر، واستدراجٌ لسلطان الغيوب، كي يستجيب للنداء الذي يسكن النيّة المستودعة في حرف الصفة.
إسم الهبة يبقى مجرد علامة تعريف. ولكنها علامة رهن أجل. أجل رهين الفرصة التي سيبتسم فيها الحظّ للمعني لكي يعبّر عن روحه. يعبّر عن معنى وجوده. وهو ما لا يتحقق بدون مأثرة. بدون عمل بطولي يستطيع أن يلعب دور الشفيع في انتزاع الاسم الجدير بحمل وزر الحلم: الحلم الخبيء في نوايا أبوين ظامئين بالسليقة إلى الخلود، على طريقة الإنسان المصري القديم.
وعلّ ما يستثير الفضول هو المراسم التي ستلاحق الاسم، كما ستكشف عنه تجربة حامل الإسم في الواقع الحرفيّ، ممّا سيجبر الأخلاف على استنزال ختم التحريم في أسماء الأسلاف، لنشهد مفتتح فصل جديد في سيرة الإحتيال على الإسم المستعار، باللجوء إلى خلع صفة أخرى، تكون بمثابة الاسم الجديد، البديل للإسم الأوّل، المسكون بالقداسة، إلى حدٍّ يغترب فيه هذا الإسم عن الواقع، بغيابه عن عضلة اللسان، تلبيةً لمشيئة سلطةٍ حاسمةٍ هي التحريم، ليغتنمه النسيان مع الزمن، لتنوب عنه الصفة المستنزلة، لتغدو منذ الآن الاسم الجدير بأن يخلف الاسم. وعلّ ازدواج الأسماء في ثقافة مصر القديمة أكبر برهان في هذه التجربة. يحدث هذا بسبب الموقف من اللغة، حيث تُعامَل الكلمة، في بُعد المنطوق، كقوّة لها فعالية الحقيقة، في واقع أُناسٍ يؤمنون بالفحوى، في أي ملفوظة، كمسلّمة لها سلطان على الواقع التجريبي، سيّما في مجتمعات حميمة الصلة بالطبيعة، حيث يهيمن اليقين بشؤم النطق بأسماء طائفة سخيّة من أسماء مختلف الحيوانات المفترسة، أو الزواحف السامّة، أو المخلوقات الغيبيّة، سيّما في أوقات محدّدة، لإيمانٍ عميق بطبيعة النطق بالإسم، بوصفه دعوة موجّهة لصاحب الاسم، للحضور في حضرة صاحب النطق!
فالموقف من الكلم رهينَ موقفٍ من علم. رهين موقف من المنطق؛ لأن القول، في حكم الإنسان الطبيعي، ليس ترجماناً لنيّة في التعبير، ولكنه ضربٌ من فعل. هو صيغة بديلة للفعل. ولهذا السبب يجزم هذا الإنسان باستحالة وضع فحوى القول، موضع التنفيذ، في حال سبقه نطق بالنية، المعبّرة عن شروع في مشروع تحويله إلى فعل؛ لأن سريان النيّة في عضلة مسمومة، أو مشئومة، كاللسان، إنذار بإبطال مفعول الذخيرة التي تسكن القول، وإلّا لما كانت اللغة بفطرتها وجوداً، وإلّا لما كان في البدء الكلمة، ولما صارت الكلمة جسداً.
لا يستعير الاسم القداسة بالمجّان، ولكن بفضل روح حامله، بفضل الروح القادرة على تحقيق القيمة. تحقيق الحقيقة. بهذه الحقيقة ينتزع المسمّى لنفسه مجداً، المجد لا في بُعده الفاني، لا في بعده الدينوني، ولكن في بعده الكينوني، في بُعده الألوهي. فيكتسب، بهذه البطولة، منزلة الحصن الذي يعفيه من شرور النداء، من شرور الجري في عضلة سوء كاللسان. فإسم الهبة كثيراً ما يفشل في تحقيق القيمة المأمولة، فلا يخذل مَن خلعوا عليه الاسم وحدهم، ولكنه يخذل صاحب الإسم أيضاً، في حين قد يتفوّق هذا المسمّى على نفسه، ليحقّق خصلة لم تكن لتخطر على بال، ممّا يدفعنا لأن نشكّك في حقيقة منشأ جلّ الأسماء الأسطوريّة، المعتمدة في ميراثنا الثقافي كمسلّمة، فيما لو استجوبنا فيها الدلالة. فـ«أوليسيس» مثالاً هو، بمنطق الدلالة، الإسم المستعار من الصفة المكتسبة بحرف التجربة، وليس إسم الهبة، إذا علمنا بأن المعنى فيه هو: «الوجدان المحموم»، ترجمةً لسيرة إنسان يستميت في طلب الوطن الضائع، على ذلك النحو الجنونيّ الجدير بأن يغدو طبيعةً في رحلة هذا النموذج الوجودية. وهو ما نكتشفه أيضاً في إسم «أخيلوس»، كما تخبرنا لغة البدايات، بحقيقة الإسم، الدالّة على «الساعد» بوصف هذا العضو هو رمز القوّة من بين كل أعضاء الجسم البشري الأخرى، في حال أحسنّا استعماله، كما فعل هذا البطل الأسطوري، ليستحقّ أن يكون له نعتاً ما لبث أن تحوّل، بالبرهان، الصفة الأحقّ بأن تتبوّأ، في السيرة، منزلة الإسم: إسم سينفي، بحكم المنطق، إسم الهبة الذي سلف، ليكون هو القيمة الأجدر بأن تنال الاعتراف كإسم.
هذا يعني أن القداسة مبدأ مستعار من القيمة. من القيمة الخبيئة في الأمنية. في الأمنية المترجمة في حرف النعت، لتغدو ثروةً محمولةً في عرش الإسم، لتتبوّأ مكانة الحجّة في الإسم، البديل للإسم، المُعطَى بمشيئة الهبة.
القداسة هنا غنيمة ذات صلاحية في استصدار المرسوم القاضي بتحريم النطق بالإسم، اجتناباً لاقتراف الإثم: الإثم الملفوف بمراسم طقسيّة في ممارسات الانسان الطبيعي، إلى الحدّ الذي انقلب فيه هاجساً لجوجاً كثيراً ما ختم علاقات الواقع اليومي بصنوف البلبلة، وبصم التجربة الدنيوية بأجناس الوساوس، التي لن تعدم أن تنقلب مسّاً لا يلبث أن يستوي في مرضٍ نفسي.
ففي عالم إنسانٍ منسيّ، مازال حميم الصلة بالمحيط الطبيعي، مثل أمازيغ الصحراء الكبرى، لا يقف مبدأ التحريم في التعامل مع الأسماء، عند حدّ الحيوانات الوحشيّة، أو الكائنات الغيبيّة، ولكنه ينسحب أيضاً على إسم القرينة، أو اسم القرين، إلى جانب إسم الأبوين. فما السرّ؟
من حقّنا، لتفكيك بُنْيَة هذا المسلك، أن نستجير بالأنثربولوجيا، أو علم النفس، كي نفوز ببغيتنا، أي في نشاط الطور القديم الذي كان فيه الرجال يغيرون على النجوع للإستيلاء على النساء بهدف الإقتران بهنّ، فلا تملك المرأة المختطفة إلّا أن تتحيّن الفرصة للفتك بهذا الإنسان الذي انتزعها من أحضان أبويها غصباً عنها، لأنه، بالنسبة لها، سيظلّ عدوّاً مبيناً مهما أنجبت من صلبه من صغار؛ والإحساس بوجوب الثأر سيبقى حيّاً حتى في حال استقامت التجربة في علاقة عاطفيّة، بحكم العيش المشترك تحت سقف دائم، ليظلّ تحريم النطق باسم القرين جنساً من عهدٍ دفين، ينتظر الفرصة كي يعبّر عن حقيقته بضربة مباغتة من نصل مميت، أو بقطرة سمّ زعاف في مائدة طعوم.
وعلّ ما سيفترض صواب هذه النظرية ليس الطبيعة البشرية بوصفها مجهولاً بلا قاع وحسب، ولكن فحوى العادة الأخرى في مجتمع هذا النموذج، التي تحرّم على معشر الرجال تسليم رؤوسهم لقريناتهم لقصّ شعورهم، لأن لا أحد يضمن ألّا يستيقظ المارد الرهيب، المتخفّي في مجاهل بلا قاع، لمخلوقٍ غيبيّ بالفطرة، ملغّز بالتجربة، كما الحال مع المرأة، لينفّذ في رمز العدوان حرف القصاص!
وهو ما يعني أن الرغبة المحمومة في الإنتفام، النائمة في قيعان الأعماق، جرثوم لا يفنى بالتقادم، في عقلية الروح المغتصبة، فلا تهنأ بالاً ما لم يأتي اليوم الذي ستعلن فيه عن نفسها.
فإذا طرحنا علم الإناسة جانباً، ومن بعده علم النفس الفرويدي، فليس لنا إلّا أن نحتكم في هذا الشأن إلى علم الميثولوجيا، أو بالأصحّ، علم اللاهوت. فما لا يجب أن يغيب عنّا هو طبيعة الإنسان البرّي، الصحراوي تحديداً، المهووسة بكل ما متّ بصلة للعبادة، إلى حدّ لم يتردّد فيه في أن يحوّل كل ممارسة في نشاطه الإجتماعي أو الإقتصادي، إلى تجربة دينية. ولن نخطيء إذا قلنا أن شغف هذا الإنسان بالطقس، في بُعده اللاهوتي، هو ما دفعه لأن يحوّل كل الكائنات في محيطه البيئيّ إلى معبودات، سواء أكانت نباتات، أو حتّى جمادات.
فالنزعة الإحيائيّة هي أفيون الإنسان الديّن.
ومن الطبيعي أن يكون الإثم هو الشبح المخيّم على حياة هذا النموذج. فإذا عَنََ لنا أن نستنطق فيه هذا البعبع، فلن نعدم الفوز بمفاجآت، سيّما في شأنٍ قدسيّ، مجبول بالتحريم في كل الثقافات، كما هو الحال مع: قران الرجل بامرأة.
إنها تلك الصفقة الأكثر دينيّة، والأعظم التباساً في تجربة الكائن البشري، المحفوفة بأكثر صنوف الخطر استعصاءً وجاذبيّةً في آنٍ معاً، لأن بموجبها يستطيع قطبان إثنان أن يحقّقا معجزة التماهي، بحيث يُتحفان العالم بجنين، هو في العهد قطبٌ ثالث، مسلّحاً بعبقرية ضلع يحقق التثليث، لا ليوطّد علاقتهما، ولكن لينفيهما من خارطة الوجود كليهما!
وهو درسٌ نثريّ قاسٍ لقّنته ديانات التوحيد للأجيال مترجماً في حرف ما ورثناه في إسم «الخطيئة الأولى»، التي لعب فيها الإثم، في بُعده كمعصية دور البطولة.
ومن الطبيعي أن نرث، في سعينا للتكفير عن إثمنا، خصلة، صارت في حياتنا، طبيعة ثانية، كما الحال مع: الخجل!
صار الخجل حجر الحكمة في كل ثروتنا الأخلاقية، التي نتباهى بها، بل وننصّبها في نشاطنا كمثال، أو كقياس في علاقاتنا. فنحن لا نستطيع أن نتلو صلواتنا في محرابٍ شاعريّ، رومانسيّ، حميم، كالجمال، دون إحساسٍ وجيعٍ بالخجل، لا لشيء إلّا لأن كمال القوام، أو جلال المقام، أو وَسْم السيماء، يذكّرنا بسلطة الجسد، الذي أوقع بنا يوماً، لندفع ثمن غفلتنا، ومكوس سقطتنا، التي لم تكن لتلطّخ الروح بالدنس، لو لم نستسلم لمشيئة هذا الطاغية.
فبقدر ما استمرّ الحبّ شعلة في ظلمات حضورنا قيد الوجود، بقدر ما يختلط علينا الأمر ما أن يجمعنا هذا الداهية بالضلع الذي اغترب عنّا، واغتربنا عنه، بمشيئة خطأ لم نكن نملك للخلاص منه سبيلاً، لتصبح العلاقة مع هذا الضلع، التباساً لن يخلو من تعقيد فجيع، لأن الخجل يأبى إلّا أن يفسد علينا فردوسنا، قصاصاً لنا على خطيئتنا التي كانت سبباً في ضياع فردوسنا الضائع!
في رحاب هذا الموقف، من الطبيعي أن يصوم القرين عن نطق إسم القرينة، لأنها لم تكن لتطيح بعرشه في الفراديس لولا الإغواء، كما تصوم القرينة عن مضغ إسم القرين بعضلة اللسان، لأن حرف الصفقة المبرمة بينهما بموجب العهد القديم لن تشتريها حتى أكثر العواطف سموّاً، لسببٍ بسيط وهو أنهما، كشريكين خالدين، لن يحققا التماهي المأمول، في ابعاده القصوى، بدون وساطة قدسيّة كالحبّ، في وقتٍ يأبى فيه الخجل إلّا أن يذكّرهما باستحالة تحقيق هذا التماهي، بسبب إثمٍ، غرّبهما عن طبيعتهما، فكتب عليهما ألّا يستعيدا كينونتهما، ألّا يستعيدا طينتهما، أبد الدهر!
لهذا السبب استحال أن ينال الرجل المرأة في المخدع، لأن ناموس الحبّ هو الذي قضى بأن ينال الرجل المرأة، فقط، في الموت!