عموماً، تُظهر القواعد الاجتماعية الأرمينية امتعاضها من الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام المحلية والعالمية حول خطط وتوجهات الحكومة الأرمينية الراهنة برئاسة نيكول باشينيان لزيادة التعاون العسكري بين بلاده وروسيا، لتعود بشكل ما إلى سابق عهدها، حينما كانت أرمينيا جزء من الفضاء السياسي والعسكري الروسي تماما، ودون أية علاقات استراتيجية مع الدول الغربية.

فهذه القواعد الاجتماعية والثقافية الأرمينية تُحمل روسيا مسؤولية هزيمة بلادهم في الحرب الأخيرة في مواجهة أذربيجان، وتقصدها إضعاف أرمينيا خلال تلك الحرب، لإجبارها للجوء إلى روسيا.

لا تبدو هذه "البداهة" السياسية غير مفهومة بالنسبة لمتخذي القرار في أرمينيا، الذين دفعتهم الهزيمة في الحرب الأخيرة إلى وضع جيوسياسي حرج للغاية، يُظهر لشدة صعوبته روسيا كطرف وحيد يُمكن التنسيق النسبي معه، لخلق نوع من التوازن المعقول للدولة القوقازية الصغيرة، المحاطة بالمناوئين.

على جانبي الحدود الأرمينية ثمة كل من أذربيجان وتركيا، وهما دولتان تملكان ملفاً معقداً من الصراع مع أرمينيا، كانت الحرب الأخيرة واحدة استعارات ذلك التصارع، الذي يمتد من أرث التاريخ السياسي الدموي المشترك بين هذه الأطراف، مروراً بما يماثله من احتراب شبه دائم فيما بينهم على هوية وعقائدية الكثير من المناطق، وليس انتهاء باختلال موازين القوة العسكرية والاقتصادية والديموغرافية بين الطرفين، حيث أرمينيا هي الأضعف في كل تلك التفاصيل قبالة الجارين اللدودين هؤلاء.

منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي قبل ثلاثة عقود، فأن النُخب السياسية والثقافية الأرمينية قد حملت الدولة السوفياتي، ووريثتها روسيا، أسباب هذا الصراع الثنائي مع كل من أذربيجان وتركيا، مذكرين بالسياسات السوفياتية التي منحت أراض واسعة ذات أغلبية سكانية أرمنية لأذربيجان، مثل منطقة كارباخ، وتالياً إدخال أرمينيا في دوامة الصراعات المفتوحة.

في سبيل مواجهة ذلك العطب التأسيسي، الناتج عن فارق القوى الهائل بين أرمينيا وجيرانها المتصارعين معها، فأنها جربت ثلاث سُبل استراتيجية لإنقاذ نفسها، تهافتت جميعاً خلال الحرب الأخيرة.

ففي أوائل عهدها، حاولت أرمينيا مطولاً اللجوء إلى المؤسسات الدولية، بالذات مجلس الأمن والمحاكم الدولية، لإثبات وإقرار إرادة الأرمن وحقهم في تقرير مصيرهم في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية سكانية مطلقة، لكن الخاضعة للسلطة الأذربيجانية. لكن لم تتمكن تلك المؤسسات الدولية من تثبيت أي من الحقوق الأرمينية تلك، ولذلك دخلت أرمينيا في حرب أواسط التسعينات المُدمرة، التي أطاحت بكل أرث التنمية الذي كانت قد راكمته، وخلقت شكلاً من الحياة العسكرية الدائمة والمفتوحة في البلاد، بسبب بقاء أسباب التنازع والاستعدادات الأذربيجانية لها.

في مرحلة لاحقة، أحست أرمينيا بأن إيران يمكن أن تكون دولة ذات ثقل عسكري وسياسي وهوياتي إقليمي موازٍ لما تمنحه تركيا من قوة لأذربيجان. تضخمت العلاقات السياسية والروابط العسكرية بين البلدين. لكنها في المحصلة ظهرت وكأنها تُلبي طموحات إيران الإقليمية فحسب، وليس رغبة أرمينيا في خلق توازن إقليمي. فالحسابات الإيرانية المتعلقة بحساسية أبناء القومية الأذرية داخل أراضيها، المقدرين بحوالي ثُلث سكان البلاد، كانت تمنعها من أي تحالف استراتيجي وصميمي مع أرمينيا، بالذات في مواجهة أذربيجان، حيث بقي التأييد الإيراني لأرمينيا سياسياً وشكلياً للغاية.

مع اندلال الثورات الديمقراطية في دول شرق أوربا منذ أواسط العقد الأول من هذا القرن، تضخمت وتحركت ضمن المؤسسات والقوى المجتمعية والثقافية والسياسية الأرمينية المطالبة بمزيد من التقارب والتحالف السياسي والعسكري مع الدول الغربية، بالذات المنظومة الأوربية والولايات المتحدة الأميركية، معتبرين أن ذلك السياق التحديثي للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان واقتصاد السوق المفتوح، هو ما سيدخل أرمينيا في عِداد الدول الغربية، وتالياً حماية أمنه ومصالحه. وقد كانت أحداث انتفاضة عام 2018 ذروة ذلك الحِراك الأرميني.

لكن عاملين مباشرين أظهرا تهافت ذلك التطلع الأرميني نحو القوى الغربية: فالمصالح الاقتصادية الغربية مع دولة أذربيجان، وشبكة الروابط الهائلة المنسوجة بينها وبين حليف تقليدي في حلف الناتو مثل تركيا، ظهر وكأنه أكبر من تطلعات النخب الأرمينية الحديثة.

كذلك فإن الانسحاب الأميركي السياسي والعسكري الكلي من منطقة الشرق الأوسط، لم يمنح أرمينيا تلك المظلة من الحماية الغربية، وقد كانت الحرب الأخيرة أكبر مؤشر على تلك الوحدة الأرمينية.

في ظلال انغلاق ذلك القوس من الخيارات، تظهر أرمينيا وكأنها ستسير بخطوات استراتيجية للدخول في ظلال السياسات واشكال الهيمنة الروسية، وسيكون لذلك الانخراط تأثير بالغ على ما راكمه المجتمع والقوى المدنية والديمقراطية الأرمينية طوال أكثر من عقد ونصف من الزمن مضى. ذو القرار الأرمن يعرف ذلك تماماً، لكنهم يعرفون أن ذلك الشيء، مع كل مرارته، أكثر قبولاً ومعقولية من البقاء وحيدين في موجهة دول مناوئة وأكثر قوة في كل شيء.