بعيد أيام قليلة من يوم المرأة العالمي في 8 مارس، وتزامنا مع احتفال العديد من دول منطقتنا والعالم، بعيد الأم في 21 مارس، كانت هدية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لأمهات بلاده ونسائها وفتياتها، هي انسحاب تركيا من اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري، والمعروفة بـ"اتفاقية إسطنبول".

والمتضمنة تشريعات وآليات ضد العنف الجسدي والنفسي ، والاغتصاب الزوجي، والزواج القسري، وختان الإناث، وغير ذلك من أشكال التمييز ضد المرأة، وانتهاك حقوقها وكرامتها، والتي وياللمفارقة وقعت في إسطنبول، وتحمل اسم المدينة التركية الأكبر، كما سلفت الإشارة.

ليس في الأمر ما يبعث على الاستغراب، طالما أن النظام التركي يحمل خلفية إخوانية، لا تخطئها عين، حيث احتقار المرأة، والحط من قدرها، والنظر لها بدونية، وامتهان كرامتها، وتصويرها كسلعة مملوكة للرجل، هي من ألف باء منهجيات تنظيم الإخوان الإرهابي .

فالنساء في تركيا، رغم أنهن لسن على أحسن ما يرام، لجهة ضمان حقوقهن، ومشاركتهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنهن أقله مقارنة بالكثير من البلدان المتأخرة في العالم، يحظين بوضع شبه مقبول إلى حد ما، وإن لم يكن مثاليا، ولا متوسطا حتى، وفق حسابات مؤشر حريات النساء، ومعايير تمكينهن، وتحقق ذواتهن العالمية .

الأمر الذي يحاول النظام الحاكم في تركيا ذي النفس الإخواني الواضح، الانقلاب عليه، والارتداد للخلف، نحو تكريس اللامساواة بين الجنسين، وانتهاك حقوق المرأة أكثر فأكثر، وقضم النزر اليسير المتحقق لهن، من بعض حرية نسبية، وفق عقلية ذكورية ماضوية .

وقد أثارت بطبيعة الحال، هذه الخطوة التركية، سخط وانتقاد مختلف المنظمات الحقوقية والأممية حول العالم، سيما المختصة في العمل على تحقيق المساواة بين الجنسين، والدفاع عن حقوق المرأة، وكيانيتها الإنسانية والحقوقية الكاملة غير المنقوصة، فضلا عن انتقاد كبريات عواصم العالم لهذه الخطوة المستهجنة، وفي مقدمها عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل، التي تنم عن النكوص والتخلف، والسباحة عكس التيار الدولي، الذي يعتبر حرية المرأة، وعن حق محكا، للديمقراطية والعدالة، والاندراج في العصر .

هي والحال هذه حلقة أخرى، في سلسلة سياسات الرئيس التركي، المتخبطة والمتناقضة، والمنافية لأبسط قواعد حقوق الإنسان، والمنظومة الحقوقية الكونية، وهي تكشف كم أن ادعاءاته البدء في الاصلاحات المزعومة، ومحاولة تحسين صورته، وعلاقاته المتوترة، مع مختلف دول المنطقة والعالم، ما هي سوى، تكويعات تكتيكية وآنية، لامتصاص الضغوط، ولكسر العزلة عنه.

وهذه "الهدية" لنساء تركيا، تندرج أغلب الظن، في سياق دغدغة مشاعر وتحشيد القاعدة الانتخابية الإخوانية والمحافظة، لحزب العدالة والتنمية، كوننا بتنا عمليا، على عتبة سنة انتخابية في تركيا، إذ خلال أقل من عامين، تكون البلاد على موعد مع انتخابات حاسمة، تشير مختلف استطلاعات الرأي الموثوقة والمهنية، لسقوط انتخابي كبير ومدوي لأردوغان وحزبه خلالها، الأمر الذي تجمع عليه أيضا، مختلف القراءات السياسية الرصينة في تركيا، وحول العالم، والتي ترى أن هذه الانتخابات المفصلية، ستسدل الستار على الفصل الأخير، للحقبة الأردوغانية، وتطوي صفحتها، غير مأسوف عليها.