وجودنا رهانٌ مترجم بحرف اللغة. ليس اللغة المتداولة، ولكن اللغة التي تخفيها اللغة الشائعة. إنها اللغة الأسطورية التي سمحتُ لنفسي بأن أطلق عليها منذ ربع قرن "اللغة البدئية" في موسوعتي "بيان في لغة اللاهوت"، التي يرجع لها الفضل في تشكيل مفاهيمنا الوجودية والدينية والفلسفية، ونستطيع أن نصفها بـ المنسيّة.

فالذخائر المنسيّة، تستعير عادةً هوية ميثولوجية، من واقع اغترابها عن واقعنا اللغوي المتداول، فما نحسبه حروفاً في كلمة مدجّجة بالسواكن هو في الواقع كلمات، دلالتها تسكن لغة أخرى مغتربة، وما نحسبه كلمة أيضاً هو في الواقع جملة كاملة، منتمية إلى لغة منسية، المعنى كلّه رهين الزمن الضائع، الذي اعتادت فيه القبيلة الإنسانية الراحلة  أن تُسقطه من مملكة الذاكرة، تماماً كما اعتادت أن تُسقط في رحلتها متاعاً استنزلنا فيه حكم الدّمَن، وغيرها من المهجورات التي نتغنّى بها كأطلال، أو مقتنيات يعتمدها علماء الآثار تحفاً لا تقدّر بثمن، بسبب أهمّيتها في استكشاف ماضٍ زال واغترب عن واقعنا، تماماً كما اغتربت عن هذا الواقع النفائس الأخرى، ذات الصلة بوجودٍ ضاع في شرايين المفردات المنسيّة، لتضيع بضياعها اللغة المنسية، التي لم نجد ما يعبّر عنها سوى: اللغة البدْئيّة، التي تكمن أهميّتها في اعتماد الطبيعة الحسيّة، للتعبير عن المفاهيم التجريدية، أو اعتناق نهج العكس، باعتماد الماهية الدينية، للتدليل على واقع ذي طبيعة حرفيّة.

وعلّ أكثر ما يستثير فضولنا هوَس الأوائل بتحديد قطب مفهوميّ، مؤهّل  لأن يتبوّأ  منزلة المستودع، أو المرجع، الذي تستعار فيه طائفة دلالات ثريّة، دنيوية ودينيّة، تسرح في شريان الوجود، ولكنها تبقى أسيرة القطب، بوصفه المرجع الذي يفيض بذخيرته، لتبسط نفوذاً على واقعٍ محكومٍ بناموس الحضور، فيستخدمها، ليعتقلها في شرَك المفهوم: يعتقلها في دالّ منحوتٍ بحرف اللغة، لكي يعقلها في مدلول يجود به سخاء القطب؛ فلا نتخيّل مثالاً أن نحصد، في خزنة مثل natura  (كمصطلح لاتيني دال على الطبيعة)، حصيلة كنوزٍ نفيسة، لن يكون بوسعنا الفوز بحقيقتها، ما لم نستنطق النسيان، كي يبوح لنا بسرّ هوية مغتربة، هي غنيمة عقلية أخرى، تسكن لغة أخرى، منفيّة بمشيئة الزمن الميثولوجي.

فالكلمة ـ القطب، إذا جردناها من حروفها الصائتة، نحصل على ثالوث سواكن هو: ntr، لأنها المصدر المعترف به في قوانين التفكيك في أي معالجة لغوية. أمّا حروف العلّة فهي دخيلة، لسببٍ بسيط هو حقيقتها كأصوات، أي نبرات، تلعب دور النوتة الموسيقية التي تحقن الجملة اللغوية بروحٍ غنائية، لم يضطرّ المخلوق لابتكارها إلاّ بعد عراك طويل مع خشونة السواكن، التي إذا كانت تفي بالغرض، المترجم في حرف الإفهام، فإن إدخال النغم إلى الملفوظات، كان تلبية لنداء الترف، الذي لم يهيمن إلاّ في مراحل تاريخية، عبرت قناطر تجريبية طويلاً، قبل أن تحتكم إلى استخدام الصوائت. ولذا كان الواجب هو التخلّص من زوائد الترف هذه كلّما دعت الحاجة إلى استكشاف المصدر، أي القطب، حيث استودع الدهاة الطلسم، الذي استنزل ثروة المفاهيم، التي لن نفهم فحواها ما لم نستطلع الأرومة.

فكلمة NATURA بُنية تركيبيّة قرينة لكلمة أخرى لا تقلّ خطورة، ترد في المصرية القديمة في صيغة مماثلة في السواكن، وإن استهانت بالصوائت، هي: nUTER . وهي شريك للمصطلح اللاتيني في الإنتماء إلى بلاط القطب، برغم التلاعب بضيفٍ ثقيلٍ كالصوائت.

إنها الكلمة التي اضطرّت علماء المصريّات لعقد مؤتمر دولي منذ قرنٍ مضى، لكي يستكشفوا دلالتها الحقيقية، أو على الأقل، التقريبية، وَعْيَاً بخطورتها المحوريّة في استجلاء ذخيرة مرجعية كديانة مصر القديمة.

فما هي حقيقة القطب الذي استخرجت الأجيال من مستودعه هذه الكنوز المفهومية السخيّة؟

القطب بنية ملفّقة من ثلاثة حروف ساكنة هي النون والتّاء والراء (ntr) التي تحمل دلالة حرفية، ودلالات أخرى روحيّة، تولّدت عنها اصطلاحات غنية على المستويين الدنيوي والديني، لتكتسب أبعاداً مجازيّة في رحلة تنقّلها الطويل بين منازل الوجود. فالنون، في لسان التكوين، بماهيّتين: حرفية، وروحيّة. الحرفية بوصفه أداة إضافة، أي همزة وصل بين بُعدَين، أمّا الروحيّة فهي التدليل على الملكيّة، ليصير بهذه الماهية قدسياً بوحيٍ من مدلوله كألوهة، لأنها وحدها جديرة بأن تمتلك، ليكون بهذا قريناً دوماً لحرفين آخرين دالّين على الربوبية في عقلية الأوائل وهما اللام والراء. وهي الحروف الذُّلُق الثلاثة كما يصفها إبن منظور في موسوعته، ويضيف فيدلي بتصريح خطير يقول حرفياً: "إنها بمثابة حرف ساكن واحد"، دون أن يخبرنا فيقول أن السبب هو الإنتماء إلى حرم الربوبية، لأن الثالوث في مفهوم إنسان التكوين هو حكم للبرهنة على الألوهة، كما سنكتشف في ألسنة العالم القديم.

أمّا التاء فتدلّ حرفيّاً على التأنيث. ولكنها لا تتردّد في أن تبرهن على دلالة أخرى يخفيها مبدأ التأنيث وهو: روح الإبداع الغيبيّ، الذي أوتي معجزة إنتاج الأجنّة!

إنها الأنوثة التي نصّبت الأنثى ربّة في كل ثقافات العالم البدئيّ، لتغدو معبوداً هيمن عبر الأزمنة على الوجود الإنساني، اعترافاً بأفضاله الغيبيّة في إنتاج سلالات، هي ضمان البقاء قيد الوجود.

 ولهذا السبب تعتمد ديانة قدماء الليبيين إسم "تانّيت" كربّة أرباب، ليبقى أخلافهم الطوارق على وفائهم للمفهوم في عبادة المرأة إلى اليوم، وما الإنتساب إلى عرق الأمّ، السائد آنذاك سوى ترجمة لاستنزال روح القداسة في حقّ هذا المخلوق، لتبلغ عبادة المرأة حدودها القصوى باعتناق "حقّ الأمومة" ناموساً تغنَّى بالأنوثة كمسلّمة شرعيّة اعتنقتها كل الأمم، ولم تتضعضع إلاّ بتدهور المنطق الذي غلّب السطوة الحسيّة، المترجمة في عضلات الجسد، على السطوة الروحية، الكامنة في الإبداع، لتنتصر بذلك النزعة الأبوية، التي زحزحت السلطة الأمومية عن عرش الواقع البشري.

من تاء التأنيث هذه استعارت العربية صيغة الأنوثة في "تأنيث"، التي ليست سوى إسم ربّة الأرباب لدى قدماء الليبيين "تانّيت" كمعبودة اعتنقها المصريون أيضاً، لتكون عنوان حضارة الدلتا في "تانّيت"، التي تحوّلت بصيغة أخرى "تانّس" بإبداء شائع بين التاء والسين، لتهيمن على حضارة قرطاجنّة محرَّفةً في "تونس"، لتهاجر إلى الشمال فتستولي على عروش أرباب الجزر الإيبيرية، وتهيمن على كل إيبيريا، كما انتقلت شرقاً لتستحوذ على أوطان اليونان في إسم "أثينا" الذي يعترف هيرودوت بأنه تحوير طفيف للربّة الليبية "تانّيت".

أمّا الراء فحرف قدسي أيضاً بسبب هويتين ساميتين في عقل الإنسان القديم، هما: القدمة، والسموّ. وهكذا نحصل على دلالة تقول في الترجمة من اللسان الميثولوجي الدَيِّن، بطبيعته: أنوثة ذات سموّ، أو أنوثة ذات قدامة، كناية عن الطبيعة الأمّ. وطبيعي أن  تترادف القدامة، كمبدأ يعتنق دين الماضي الأسطوري، بمبدأ السموّ، لأن كل قديم هو رهين سموّ، أو قداسة، لا بمنطق الجيل البدئي وحده، ولكن بعقليّتنا نحن اليوم أيضاً، لأن القدامة غنيمة غيوب، والغيوب صنيعة مبدأ مجهول، والمجهول ربٌّ معصومٌ من كشفٍ هو دوماً قصاص، بسبب طبيعته كخطيئة. وهي نزعة شعرية تليق بإنسانٍ، يحيا طور طفولة، ويتحسّس العالم بسلطان الفطرة.

ولكن السؤال هو: بأيّ حقّ يتحفنا المستودع بهذه الصفة الشعرية لتكون للطبيعة إسماً، مقروناً بـ nuter الواردة في المتون المصرية، المسكونة بتلك الهالة الميثولوجية التي دعت علماء المصريات لإعلان حالة الطواريء إلى حدّ اضطرّوا فيه لعقد مؤتمر دولي لاستجلاء حقيقة هذه التميمة السحرية؟

الحقّ يسكن مبدأ الشراكة في السواكن. ففي لغة بدئيّة كلغة الطوارق يستقيم في هذه السواكن مفهوم جامع لكل الذخيرة الدينية، يعتمد الثالوث السالف في فعل "يتّر"، الدالّ على الإبتهال، أو، الدعاء، أو التقديس. فإذا أضفنا إليه النون الدالّة على "ذو" حصلنا على كنز استعارت منه لغات البدايات كل ما متّ بصلة لمعبد القداسة، سواء أكان أُمّاً هي الطبيعة، أو محفل أرباب، كما في Nuter  المصرية، سواء في حفنة مفاهيم أخرى سيأتي ذكرها تالياً:

ذو الإبتهال، ذو القداسة.

فالدعاء، أو التسبيح، أو الإبتهال، هو الخطاب الذي اعتمدناه في أبجدياتنا، للتعبير عن رأسمال العلاقة مع المجهول، الذي نطلق عليه بلغة اليوم: الإيمان!

فهو، من منطق اللاهوت، حجّة الإيمان. وليس علينا أن نستنكر، لهذا السبب، أن يغدو مسرحاً لذخيرة كاملة من دلالات، بل ومن مفاهيم.

فإذا جردنا المصطلح من النون، كوسيط بين بُعدين، حصلنا على مفهوم terra  اللاتيني الدال على الأرض، على تلك الجنيّة الساحرة، التي اكتسبت ماهيّةً قدسية في كل الثقافات، كما الحال مع: اليابسة!

ليس هذا وحسب، ولكن terra استعارت دلالة أقوى مفعولاً في لسان التكوين، الذي مازال سارياً في لسان الطوارق، وهو: الإسترداد!

فالواقع أن أكثر ما يليق بالأرض هو إسم "تيرّا" (terra) كاسترداد، لأنها لم توجد فقط لكي تكون لنا أرجوحةً، أو تكون لنا مسقط رأس، ولكنها وُجدت لكي تستردّ أمانتها، وُجدت لكي تعيدنا إلى جوفها، عندما نفرغ من باطل أباطيلنا، ويحين ميعاد رحيلنا!

ولكن مستودع القداسة يأبى إلاّ أن يجود بالمزيد. وها هي كلمة تبدو متواضعة اعتدنا أن نستخدمها في معاملاتنا الدنيوية اليومية دون أن ننتبه لذخيرتها الدينية كما notar  المعتمدة في اللغات المنبثقة عن اللاتينية في الترجمة بمعنى: محلّف.

فمن هو المحلّف إن لم يكن ذلك الإنسان الذي كبّل نفسه بأفظع غلّ، يفوق في سلطته سلسلة السبعين ذراعاً، وهو: القَسَم؟

فالقسَم ليس مجرّد طقس للقيام بدور وساطة، ولكنه خضوع لامتحان عصيّ، لأن الممارسة هنا ليست دنيوية، ولكنها ألوهيّة، مترجمة في صيغة عهد مبرم مع الربّ، والإيفاء بهذا العهد، هو دَين، الإخلال به تجديف في حقّ الربّ. ولهذا حقّ لشاعر في مقام سوفوكليس أن يتغنّى: "الحنث بالوعد هو ما لا تغتفره الآلهة"!

ففي مستودع القطب مازال بقية من ذخيرة. و tera مفهوم آخر، في يقين إنسان التكوين، أنجب في تجلّياته تعبيراً في غاية الخطورة انطلاقاً من مدلول التميمة، الناتجة عن فعل "يتّر" كدعاء، أو ابتهال، أو استجداء منحة من جناب الربوبية، لم يتردّد "كانط" في نعتها بـ"الأمنية في الصفقة مع الربّ".

هذا الموقف في بلاط الملكوت أنجب مفهوماً لعب دور البطولة في نحت مبدأ المتن المقدّس، من خلال مفردة "تيرا" الدالّة على التميمة المنطوقة شفاهاً في البداية، ولكنها ما لبثت أن شقّت طريقها لتنتج مفهوم: تيرَوْت، بمعنى الرسالة، ما زالت متداولة في لسان ورثة التكوين إلى اليوم.

فإذا احتكمنا إلى صيغة الجمع نلنا كلمة "تيرا" الحاملة لمدلول الأحجبة، الواقية من الشرور، في حال دُوِّنَت في رقعة جلد، أو احتفرت في لوح خشب.

من "تيرا" نلنا مفهوم "تورا"، أي حصيلة تمائم محفوظة بين دفّتين، ليستقيم المصطلح في عنون جسيم هو: توراة.

أي التمائم الأولى، التي كانت نواة أول مخطوط ناطق بناموس التكوين!

فالتمائم خطاب قدسيّ بانتمائها إلى مستودع قطب هو ألوهة بمنطق يعايش الزمن الميثولوجي، كما الطبيعة نفسها مؤلّهة، بحكم الإنتماء إلى الحرم ذاته، الذي أبدع، بهذه العقلية، ما تدعوه فلسفاتنا اليوم بـ الدّين الطبيعي.

ملاحظة:

غرام الإنسان بالإختزال لا يرجع إلى الأزمنة الميثولوجية وحدها، ولكنه صار في نشاط الجنس البشري طبيعة ثانية، وما شغف الإنسان بترجمة العبارة في علامة سوى برهان على هذه العادة. فكل الرموز المجسّدة التي اعتدنا أن نعتمدها في علاقتنا بواقعنا البيئي والمعرفي ما هي إلاّ ضربٌ من استدعاء لتجارب الماضي المنسيّ مع جناب الخطاب. وها هو المطاف ينتهي بنا إلى حصر جُمَل كاملة، وابتسارها في حروف محدّدة كأن نكتب، أو ننطق، usa  للتدليل على الولايات المتّحدة الأمريكية، أو ما شابه؛ فلا يتوقّف الأمر عند حدود أسماء الأوطان، ولكن يستحوذ على المفاهيم الفلسفية المجرّدة، أو المصطلحات العلمية.. إلخ.

إنه تلبية لنداء مغترب، يسكن باطن اللاوعي، ممارسته ما هي إلاّ التعبير عن تحدٍّ للنسيان، وتوقٌ لاستحضار الذخيرة من غياهب الذاكرة، في الزمن الضائع، عندما كان الحرف يغنينا عن الكلمة، والكلمة تغنينا عن الجملة، والجملة تغنينا عن تلاوة بيان؛ لنحقّق بذلك وصيّة الصبية العبرانية التي ذهبت لجلب الماء من البئر، فسألها عابر السبيل: "أين الطريق إلى المدينة؟"، فأجابته: "ليس من اللائق التحدّث مع النساء كثيراً"، فاستفهم: "ماذا يجب أن أقول؟"، فأجابته: "يكفي أن تقول: "المدينة!".

فالحكمة أن نقتصد في كمّ الكلم، لا لأنه لغوٌ، ولكن لأنه موقفٌ أخلاقيّ؛ والدليل تجود به علينا الديانة الطاوية عندما تقول: "من يتكلم لا يعلم، ومن يعلم لا يتكلّم"، فحقّ لنا أن نضيف فنقول: "من يتكلم لا يعمل، ومن يعمل لا يتكلّم". فالعمل، كما الكلم، بما هما حجة وجود، فإن قرانهما لا يعفي الوجود من مسئوليته كطبيعة خطيئة، ولأن الوجود خطيئة، كان الموت في مقابله استحقاقاً. إستحقاقٌ هو بالطبع قصاص، جزاء زللٍ غير قابلٍ للنقض.