سكاي نيوز عربية - أبوظبي

رسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب منعطفات جديدة في السياسة الخارجية لبلاده، سواء إزاء الحلفاء أو الأعداء، لكن ظل التقلب في المواقف سمة بارزة لما يصدر عن البيت الأبيض منذ يناير 2017.

ومنذ خوض حملته الانتخابية في 2016، بدا ترامب ناقما على السياسة الخارجية لسلفه الديمقراطي باراك أوباما، فتعهد بأن يراجع كثيرا من مواقف واشنطن وسياساتها، بمجرد الوصول إلى المكتب البيضاوي.

في الملف الإيراني، مثلا، تعهد ترامب أن يسحب بلاده من الاتفاق النووي الذي وصفه بالكارثي والأسوأ في تاريخ الديبلوماسية الأميركية، وذاك ما أوفى به فعلا في مايو 2018، لكن رئيس الولايات المتحدة، لم يرسم سياسة واضحة المعالم إزاء طهران في مرحلة "ما بعد الاتفاق".

أما في آسيا، فراهن ترامب على الحوار مع نظام كوريا الشمالية لأجل نزع النووي من شبه الجزيرة الكورية، لكن هذه المساعي لم تؤت ثمارها رغم انعقاد قمتين اثنتين بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون في سنغافورة (2018) وفيتنام (2019)، فضلا عن لقاء عابر بين الزعيمين في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين.

واعتبر ترامب توقف كوريا الشمالية عن إجراء التجارب الصاروخية، بمثابة إنجاز وقال إن المنطقة صارت أكثر أمانا، لكن كيم جونغ أون عاد مؤخرا إلى الإشراف على إطلاق صواريخ باليستية، فيما يقول متابعون إن زعيم الدولة الآسيوية حقق ثمارا من لقاءاته، لأنه انتزع تطبيعا للعلاقات ونال "شرعية" لدى واشنطن، حتى وإن لم يجر رفع العقوبات الخانقة.

وبالعودة إلى الملف الإيراني، يزاوج ترامب بين لهجتين مختلفتين، فتارة يختار الصارمة وينذر نظام الملالي في إيران بالعقوبات والردع الذي يصل الخيار العسكري، وتارة أخرى يقول إنه يجنح للسلام ويبدو "متوددا" لطهران.

وحينما انسحب ترامب من الاتفاق النووي، وسط معارضة من حلفائه الأوروبيين، قال الرئيس الأميركي إن خطوته ستحد من النشاط الخبيث لإيران في منطقة الشرق الأوسط، لكن تطورات الأمور فيما بعد لم تؤد إلى هذه "النتيجة المرجوة" وزادت الخروق من الجانب الإيراني.

ورغم أن ترامب حذر إيران مرارا من التطاول في منطقة الشرق الأوسط، لم ترد الولايات المتحدة على إسقاط طائرة مسيرة لها من قبل إيران، في يونيو الماضي، وعزا الرئيس الأميركي عدم توجيه الضربات لإيران إلى عدم الرغبة في إيقاع عدد كبير من الضحايا.

وقال ترامب إن الجيش الأميركي كان على وشك توجيه ضربة إلى هدف إيراني، لكن في الدقائق الأخيرة، سأل عن عدد الأشخاص الذين سيلقون مصرعهم على الأرجح، فلما جرى إخباره بأنهم يقدرون بالعشرات، أعطى أمرا بالتراجع، لأنه من غير المتناسب بحسب قوله، أن يموت هذا العدد من الناس في رد على إسقاط طائرة بدون طيار.

أخبار ذات صلة

قبل المحادثات.. روحاني يطالب واشنطن بـ"الخطوة الأولى"

ولأن إسقاط الطائرة التي تصل قيمتها إلى 121 مليون دولار لم يكن حادثا معزولا، بل حلقة من سلسلة استفزازات إيرانية في مضيق هرمز، تراوحت مواقف ترامب في هذا الملف بين الوعيد والتهدئة، ففي بعض الأحيان، يحذر إيران من أي إرباك لحركة الملاحة في مياه الخليج العربي، وفي أحيان أخرى، يقول إن تأمين عبور السفن في هذا المعبر المائي الحيوي ليست من مسؤولية واشنطن، التي لم تعد ذات احتياجات كبرى من الطاقة، بل أضحى من مسؤولية دول أخرى.

أما على المستوى الاقتصادي، فأشعل ترامب فتيل حرب اقتصادية "طاحنة" مع الصين، وفرض رسوما بمليارات الدولارات على بكين، في مسعى إلى خفض العجز التجاري مع البلد الآسيوي، لكن ترامب أرجأ عددا من "قرارات الرسوم"، وفي قمة مجموعة العشرين الأخيرة باليابان، تراجع عن منع شركات التكنلوجيا الأميركية من بيع منتجاتها لشركة "هواوي"، بسبب مخاوف متعلقة بالأمن القومي.

وإذا كان ترامب يميل في بعض الأحيان إلى التراجع عن صرامته حيال الصين، فلأن دراسة صدرت مؤخرا عن جامعتي هارفارد وشيكاغو إلى جانب صندوق النقد الدولي والمركزي الأميركي، أن الحرب التجارية تؤثر أيضا على الولايات المتحدة ولا تضر بالصين فقط.

أما حيال تركيا، فلم يحد ترامب أيضا عن التقلب، لا سيما حين مضت أنقرة قدما في شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس 400"، فعلى الرغم من تلويح واشنطن بمعاقبة أنقرة، تفادى ترامب أن يلجأ إلى قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة المعروف بـ"كاتسا".

وفي يوليو الماضي، قال البيت الأبيض إن شراء هذه المنظومة يجعل استمرار تركيا في برنامج صناعة المقاتلة "إف 35" أمرا مستحيلا، لكن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو كشف عن مفاجأة كبرى في أغسطس الجاري، قائلا إن بلاده لم تُطْرَد من البرنامج التي تساهم فيه أنقرة بصناعة المئات من القطع.

لكن ما يهم ترامب، بحسب متابعين، هو أن يكسب رضا الناخبين وهو مقبل على خوض انتخابات الرئاسة في 2020، ولذلك، تفادى الدخول إلى مواجهة عسكرية مع إيران ولأن انتقد مرارا غزو العراق وتكلفته الباهظة، أما الحرب التجارية مع الصين فقد يقدم فيها على تراجعات إضافية إذا وجد أن خوض المواجهة صار مكلفا من ناحية الاقتصاد أي الورقة الأساسية التي يراهن عليها الرئيس الجمهوري ليمكث في البيت الأبيض حتى 2024.