لم يعد اختراق الشاشات الإلكترونية في الشوارع مجرد احتمال تقني بعيد، بعدما كشفت واقعة محور 26 يوليو بمحافظة الجيزة المصرية كيف يمكن لهجوم سيبراني أن يحول لوحة إعلانية إلى منصة لعرض محتوى إباحي، في مشهد تجاوز حدود الشاشة المستهدفة ليصل إلى شاشات في دول أخرى.

وتسلط الواقعة، التي أعلنت وزارة الداخلية المصرية تفاصيلها، الضوء على جانب أقل ظهورا من مخاطر التحول الرقمي، يتمثل في الثغرات التي قد تصيب أنظمة إدارة وبث الإعلانات المتصلة بالإنترنت، وتفتح الباب أمام استغلالها على نطاق يتجاوز الموقع الذي بدأ منه الاختراق.

وأوضحت الوزارة، في بيان صدر الخميس الماضي، أن الفحص كشف تبعية اللوحة لإحدى شركات الإعلان المتعاقدة مع شركة دولية تتولى إدارة وبث المحتوى إلكترونيًا، وأن موقع الشركة الدولية تعرض لاختراق، ما أدى إلى عرض المقاطع ذاتها على شاشات تابعة لها في دول مختلفة بالتوقيت نفسه. وأضافت أن الشركة أوقفت البث على الشاشات المعنية لحين معالجة الاختراق واستعادة التشغيل الطبيعي، فيما اتُخذت الإجراءات القانونية بشأن الواقعة.

وتعيد الحادثة طرح تساؤلات بشأن أمن البنية الرقمية لقطاع الإعلانات، بعدما باتت إدارة الشاشات وتحديث محتواها يتمان عبر منصات مركزية تتيح التحكم فيها عن بُعد. وهي ميزة توفر الوقت والجهد، لكنها قد تتحول إلى نقطة ضعف واسعة التأثير إذا تمكن مخترق من الوصول إلى المنصة المسؤولة عن إدارة المحتوى، بما يجعل شاشة في أحد الشوارع مدخلا لبث مواد غير مصرح بها على نطاق يتجاوز حدود المكان.

منصة واحدة تدير آلاف الشاشات
وفي تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية"، أوضحت رحاب الرحماوي، أستاذة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن اختراق لوحة الإعلانات على محور 26 يوليو لا يعني بالضرورة أن الهجوم استهدف الشاشة الموجودة في الشارع، إذ إن هذه اللوحات أصبحت جزءا من منظومات رقمية مترابطة، تتولى منصات مركزية إدارة محتواها والتحكم في تشغيلها عن بُعد.

وقالت الرحماوي إن شركات الإعلانات الكبرى تعتمد على أنظمة متخصصة لإدارة الشاشات الرقمية، تتيح التحكم في مئات أو آلاف اللوحات من مركز واحد، دون الحاجة إلى إرسال فنيين إلى كل موقع لتحديث المحتوى. فمن خلال هذه المنصات، يمكن رفع الإعلانات وتحديد الشاشات التي ستعرضها ومواعيد البث ومدته، ثم إرسال الملفات إلكترونيا إلى وحدات تشغيل متصلة بالشاشات، تتولى عرض الصور ومقاطع الفيديو وفقًا للجدول المحدد.

وأضافت أن هذه المنظومات لا تقتصر وظيفتها على بث الإعلانات، بل تتيح أيضًا متابعة حالة الأجهزة والتحقق من انتظام التشغيل، وهو ما يجعل الشاشة جزءا من شبكة تضم برمجيات وخوادم وحسابات مستخدمين وصلاحيات وصول وقنوات اتصال. ومن ثم، فإن تأمينها لا ينبغي أن يقتصر على جهاز العرض نفسه، وإنما يجب أن يشمل جميع المكونات التي تتحكم في المحتوى الذي يظهر عليه.

وحذرت الرحماوي من أن اختراق نقطة تحكم مركزية قد يؤدي إلى توسيع نطاق الهجوم بصورة كبيرة، موضحة أن السيطرة على جهاز واحد قد تظل محدودة التأثير، بينما قد يسمح الوصول إلى حساب أو خدمة تمتلك صلاحية توزيع المحتوى بالتأثير في شاشات متعددة داخل مدن أو دول مختلفة. ويُعرف هذا النطاق في الأمن السيبراني بمفهوم نطاق الضرر، أي حجم التأثير الذي يمكن أن ينتج عن اختراق نقطة واحدة داخل النظام.

وأشارت إلى أن ظهور المحتوى غير المصرح به على شاشات في عدة دول بالتوقيت نفسه، وفقا لما أعلنته وزارة الداخلية، يتسق مع احتمال وجود نقطة مشتركة في منظومة إدارة المحتوى أو توزيعه، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأن منصة الإدارة المركزية كانت هي نقطة الاختراق، إذ يتطلب تحديد ذلك فحص البنية التقنية وسجلات الدخول والاتصال.

وفيما يتعلق بالمسارات التي يمكن أن يستغلها المهاجمون، أوضحت أستاذة الأمن السيبراني أن سرقة بيانات الدخول، سواء عبر كلمات مرور ضعيفة أو هجمات التصيد الإلكتروني، تمثل أحد الاحتمالات، خاصة إذا كانت الحسابات المستهدفة تمتلك صلاحيات تسمح بنشر المحتوى مباشرة على الشاشات. كما يمكن استغلال ثغرات برمجية في منصات الإدارة أو الخوادم المستضيفة لها، لا سيما في الأنظمة التي لا تحصل على تحديثات أمنية منتظمة.

وأضافت أن أجهزة التشغيل المرتبطة بالشاشات قد تمثل بدورها نقطة ضعف إذا كانت تعمل ببرمجيات قديمة أو تستخدم كلمات مرور افتراضية أو تتيح منافذ اتصال غير مؤمنة، كما أن غياب الفصل الواضح بين صلاحيات الموظفين قد يسمح لشخص مسؤول عن إعداد الإعلانات بنشر محتوى على نطاق واسع دون المرور بمراحل مراجعة واعتماد كافية.

أخبار ذات صلة

التضليل والذكاء الاصطناعي.. معركة الثقة بانتخابات أميركا
رئيس كوريا الجنوبية وقع ضحية لتسريب بيانات حساسة

واستشهدت الرحماوي بوجود ثغرات أمنية سابقة في بعض أنظمة إدارة الشاشات الرقمية، من بينها ثغرة كُشف عنها عام 2024 في خادم "Samsung MagicINFO 9" ضمن إصدارات متأثرة، بما يوضح أن المخاطر قد تطال البرمجيات والخوادم المسؤولة عن إدارة الشاشات، وليس أجهزة العرض وحدها.

وشددت على أن الشاشة قد تكون سليمة من الناحية الفنية، بينما تكمن نقطة الضعف في النظام الذي يديرها أو الحساب الذي يتحكم في محتواها، وهو ما يجعل تأمين منصات الإدارة وتحديث برمجياتها وضبط صلاحيات الوصول والتحقق من المواد قبل بثها عناصر أساسية للحد من فرص الاختراق واتساع نطاق تأثيره.

تأمين شبكات الإعلانات من الاختراق
أما بشأن سبل منع تكرار هذه الهجمات، فأكدت الرحماوي أن الحماية الفعالة تتطلب تأمين المنظومة الرقمية بالكامل، بدءًا من حسابات المستخدمين ومنصات إدارة المحتوى، وصولًا إلى الخوادم وأجهزة التشغيل المرتبطة بالشاشات، بدلًا من التركيز على أجهزة العرض وحدها.

وأوضحت أن ذلك يستلزم استخدام المصادقة متعددة العوامل لحماية حسابات الإدارة، وتحديد صلاحيات الموظفين وفقًا لمهامهم، مع الفصل بين إعداد الإعلانات ومراجعتها واعتمادها قبل البث، بحيث لا يتمكن مستخدم واحد من نشر محتوى على جميع الشاشات دون رقابة. كما شددت على أهمية تقسيم الشبكة إلى نطاقات مستقلة، حتى لا يؤدي اختراق أحد أجهزتها إلى انتقال الهجوم إلى بقية المنظومة.

وأضافت أن استخدام التوقيع الرقمي للملفات الإعلانية يتيح التحقق من مصدرها وسلامتها قبل عرضها، إلى جانب ضرورة تحديث أنظمة التشغيل والبرمجيات بصورة منتظمة، وإجراء اختبارات اختراق دورية، ومراقبة سجلات الدخول والتغييرات لرصد أي نشاط غير معتاد، مثل نشر محتوى خارج الجدول المحدد أو توجيه ملف إلى عدد كبير من الشاشات بصورة مفاجئة.

ولفتت إلى ضرورة توفير آلية طوارئ تسمح بوقف البث أو عزل الشاشات المتأثرة فور اكتشاف أي اختراق، مع الاحتفاظ بمحتوى احتياطي آمن، مؤكدة أن مسؤولية الحماية تمتد إلى مزودي الخدمات الدوليين، من خلال إلزامهم بالإبلاغ عن الحوادث الأمنية وإتاحة نتائج الفحص الفني والخضوع للمراجعة الدورية.

واختتمت الرحماوي بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في التخلي عن الإدارة المركزية للشاشات، وإنما في بناء منظومة قادرة على اكتشاف الاختراق واحتواء آثاره ومنع امتداده، فالشاشات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لعرض الإعلانات، بل أصبحت واجهات معلوماتية في المجال العام، ما يجعل تأمينها ضرورة تتجاوز المصالح التجارية للشركات المشغلة.

أخبار ذات صلة

اختراق أنظمة التبريد.. هجوم إلكتروني جديد يربك متاجر أوروبا
سرقة "باينانس" الكبرى.. خيوط تقود إلى كوريا الشمالية