قد لا يستهدف التدخل الخارجي صندوق الاقتراع مباشرة. فمقطع مصطنع أو استطلاع مضلل أو رسالة يروجها مؤثر قد تدخل إلى هاتف الناخب، وتؤثر في تصوره للمرشحين والمؤسسات، قبل أن يتوجه إلى التصويت. والأخطر أن يمتد الشك من المادة المزيفة إلى الخبر الصحيح، فتتحول الحقيقة نفسها إلى موضع نزاع.
هذه الصورة طرحها الصحفي المتخصص في الشؤون الأميركية موفق حرب، خلال حديثه لسكاي نيوز عربية، في نقاش مع الأكاديمي والباحث السياسي رولان بيجاموف، الذي رفض تحميل موسكو مسؤولية التجاذبات الانتخابية الأميركية.
وبين التحذير من أدوات التأثير والتشكيك في الاتهامات، تبرز معركة موازية للانتخابات النصفية: من يصوغ الرسائل التي تصل إلى الناخب، وكيف يميز بين المعلومات والتضليل؟.
التأثير في الرسالة لا الصندوق
يميز حرب بين تفضيل دولة مرشحا بعينه وبين استخدام محتوى مضلل لدعمه، معتبرا أن تطور الإنترنت وشبكات التواصل والذكاء الاصطناعي غير أدوات التدخل وسرعة انتشاره.
وقال إن الاتهامات الديمقراطية لروسيا تركز على التأثير في مضمون الرسائل الموجهة إلى الناخبين لدعم الجمهوريين، بينما يتحدث ترامب والجمهوريون عن تزوير العملية الانتخابية نفسها.
وشدد على الفصل بين الخلاف السياسي المعتاد قبيل التصويت وبين التحذيرات الاستخباراتية المتعلقة بالتأثير في الرأي العام، فلا يعني التلاعب بالمحتوى بالضرورة اختراق آليات الاقتراع.
أدوات جديدة لصراع قديم
ويربط حرب الاتهامات الراهنة بتاريخ التنافس منذ الحرب الباردة، لكنه يرى أن المشهد تجاوز التراشق السياسي إلى شبكات ومؤسسات استهدفتها عقوبات أميركية وأوروبية.
واستشهد بشبكة "ستورم-1516" التي قال إنها تنشر فيديوهات مضللة، وشبكات "برافدا"، معتبرا أن تعدد القنوات يوسع فرص وصول الرسائل إلى الجمهور.
وبحسب قراءته، تتصل الحسابات الروسية بملف أوكرانيا والعقوبات وحلف شمال الأطلسي، ما يدفع موسكو إلى تفضيل استمرار سيطرة الجمهوريين على الكونغرس ودعم ترامب.
حين يصبح الحقيقي مشتبها به
وحذر حرب من تزوير استطلاعات تستند إلى بيانات إلكترونية، وإنتاج مقاطع بالذكاء الاصطناعي، وتوظيف مؤثرين قد يعرف بعضهم طبيعة المحتوى، بينما ينقله آخرون دون إدراك حقيقته.
ورأى أن سرعة التطور التقني تصعب المواجهة، ولذلك اعتبر تحميل الإدارة الأميركية وحدها مسؤولية الثغرات مبالغة، رغم الاتهامات الديمقراطية بتقليص تمويل مؤسسات حماية الشبكات.
أما الأثر الأعمق، وفق تحليله، فهو أن تدفع كثافة المواد المصطنعة الجمهور إلى التشكيك في الأخبار الموثوقة أيضا، بما يضعف الثقة بالمؤسسات ومصادر المعلومات.
لكنه رفض اعتبار الاحتجاجات الغربية دليلا تلقائيا على تدخل روسي، مميزا بين نشوء الخلافات داخليا ومحاولة موسكو استثمارها.
موسكو ترفض دور المتهم الدائم
في المقابل، وصف بيجاموف روسيا بأنها "شماعة مناسبة" للأحزاب الأميركية، معتبرا أن التأثير المتبادل طبيعي في عالم مفتوح، وأن منشورا لمواطن روسي لا يثبت تدخل الدولة.
ورفض اختزال العلاقة بين ترامب وبوتين في الصداقة، مشيرا إلى أن سياسات ترامب شملت إنهاء اتفاقيات للأمن الاستراتيجي، بما أضر بموسكو، وفق تقييمه.
ومع ذلك، رأى أن نهجه الواقعي يجعل التعامل معه أكثر ملاءمة لروسيا من بايدن، دون أن يعني ذلك تطابق المصالح أو زوال المواجهة بشأن أوكرانيا.
وخالف حرب في تقدير أثر التدخل، مؤكدا أن هذه الاتهامات لا تحسم تصويت الأميركيين أو نتائجهم.
الناخب أمام كلفة السياسات
ويرى حرب أن الانتخابات ستختبر مزاج الأميركيين تجاه سياسات ترامب، خصوصا التعريفات الجمركية والحرب في إيران وانعكاساتهما على المعيشة، وقد تدفع خسائر محتملة مرشحين جمهوريين إلى الابتعاد عنه.
أما بيجاموف، فقال إن الكرملين يدرس سيناريوهات النتائج، لكنه لا يبني استراتيجيته على الدورات الانتخابية الغربية، ويتمسك باستمرارية حساباته وعدم تقديم تنازلات.
وبين الموقفين، يبقى الخلاف حول مدى تأثير الرسائل الخارجية، مقابل وزن الاقتصاد والسياسات الداخلية في القرار الذي يتخذه الناخب داخل المعزل.