تتسارع مؤشرات التدهور الاقتصادي في السودان بصورة مقلقة، مع تجاوز الدولار حاجز 6 آلاف جنيه في السوق الموازية، وعودة التضخم إلى الارتفاع، ووصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، في وقت ترسم فيه تقديرات دولية صورة قاتمة لاقتصاد أنهكته أكثر من 3 سنوات من الحرب وأعادته عقوداً إلى الوراء.
وبينما تتحدث وزارة المالية التابعة لسلطة بورتسودان عن إمكانية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 9 بالمئة خلال 2026، ترسم المؤشرات الاقتصادية صورة مغايرة تشير إلى أزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة، في ظل تآكل القوة الشرائية، وتضرر قطاعات الإنتاج والخدمات، واستنزاف موارد الدولة في الحرب، واتساع رقعة الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
وتكشف الأرقام عن اقتصاد يواجه ضغوطاً متزامنة على العملة والأسعار والإنتاج، بينما تحذر تقديرات دولية من أن آثار الحرب قد تستمر لعقود حتى في حال توقف القتال.
الجنيه تحت ضغط متزايد
تجاوز سعر الدولار 6 آلاف جنيه في السوق الموازية، في أحدث مؤشر على استمرار تراجع العملة السودانية وتآكل قدرتها الشرائية.
وتزامن ذلك مع تسارع التضخم، إذ أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع المعدل السنوي إلى 51.28 بالمئة في يونيو، مقابل 44.50 بالمئة في مايو.
كما قفز التضخم الشهري من 3.97 بالمئة إلى 7.08 بالمئة خلال الفترة نفسها، مما يعكس تسارع ارتفاع أسعار السلع والخدمات والضغوط المتزايدة على تكاليف المعيشة.
ويأتي هذا التدهور في اقتصاد تعرضت أجزاء واسعة من قاعدته الإنتاجية للدمار أو التعطيل، فيما أدت الحرب والنزوح وانهيار الخدمات إلى إضعاف النشاط التجاري والاستثماري والإنتاجي.
الذهب يتجاوز 700 ألف جنيه
وتجلت أزمة العملة أيضاً في سوق الذهب، حيث تجاوز سعر غرام الذهب الخام، الأحد، حاجز 700 ألف جنيه للمرة الأولى، وتراوح في الأسواق المحلية بين 702 و703 آلاف جنيه، بينما بلغ سعر الشراء لدى مصفاة السودان للذهب التابعة للسلطة نحو 671 ألف جنيه.
ورغم ارتباط جزء من الزيادة بالارتفاع العالمي لأسعار الذهب، فإن التراجع الحاد للجنيه ضاعف انعكاساته محلياً.
وتكتسب أسعار الذهب أهمية خاصة في السودان، بعدما أصبح المعدن الأصفر أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في ظل توقف أو تقلص مصادر إيرادات أخرى، والحاجة المتزايدة إلى العملات الصعبة، في وقت تستنزف فيه الحرب جانباً كبيراً من موارد البلاد، وسط تدهور حاد في الخدمات الأساسية، بما فيها الصحة والتعليم والأمن الغذائي.
الحرب أعادت الاقتصاد 30 عاما
وتكشف تقديرات دولية حجم الضرر الذي تجاوز تقلبات العملة والأسعار إلى تآكل بنيوي في الاقتصاد السوداني.
فقد خلصت دراسة مشتركة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد والتنمية في السودان إلى الوراء بأكثر من 30 عاماً.
وقدرت الدراسة خسارة نحو 6.4 مليارات دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2023 وحده، فيما تراجع متوسط دخل الفرد إلى مستويات لم يشهدها السودان منذ عام 1992.
كما دفعت الصدمة الاقتصادية نحو 7 ملايين شخص إضافي إلى الفقر المدقع خلال العام الأول للحرب.
وتحذر الدراسة من سيناريو أكثر خطورة في حال امتداد القتال حتى عام 2030، إذ يمكن أن يتجاوز معدل الفقر المدقع 60 بالمئة من السكان. أما على المدى البعيد، فتقدر أن الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2043 قد يكون أقل بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يسلكه الاقتصاد في غياب الحرب.
انكماش تاريخي
وتدعم بيانات البنك الدولي صورة الانهيار الحاد. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4 بالمئة في 2023، قبل أن يسجل انكماشاً إضافياً قدره 14 بالمئة في 2024، في واحدة من أقسى موجات الانكماش التي شهدها الاقتصاد السوداني في تاريخه الحديث.
ويرتبط هذا الانكماش بالدمار الواسع للقدرات الإنتاجية والبنية التحتية، وتعطل قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات والتجارة، فضلاً عن نزوح ملايين الأشخاص وتعطل الأعمال والاستثمارات.
وفي هذا السياق، تبدو توقعات وزارة المالية التابعة لسلطة بورتسودان بتحقيق نمو نسبته 9 بالمئة خلال 2026 بحاجة إلى قراءتها في ضوء الانكماش الاستثنائي الذي سبقها؛ إذ إنه، وبحسب خبراء اقتصاديين، فإن تسجيل نمو من قاعدة اقتصادية شديدة الانخفاض قد يعكس جزئياً ما يُعرف اقتصادياً بـ "أثر القاعدة المنخفضة"، ولا يعني بالضرورة استعادة الاقتصاد لحجمه السابق أو تحسناً مماثلاً في مستويات معيشة السكان.
أكثر من 22 مليوناً يحتاجون للغذاء
وتظهر التداعيات الأكثر قسوة للأزمة بعيداً عن المؤشرات المالية، في حياة ملايين السودانيين الذين يواجهون تدهوراً حاداً في الأمن الغذائي.
ووفق توقعات شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة "FEWS NET"، سيحتاج ما بين 22 و22.99 مليون شخص إلى مساعدات غذائية إنسانية حتى سبتمبر.
وتتوقع الشبكة استمرار مستويات "الطوارئ" في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، نتيجة استمرار القتال والنزوح وتعطل سبل كسب العيش والقيود على التجارة ووصول المساعدات.
كما يواجه بعض السكان في مناطق من شمال دارفور وجنوب وشمال كردفان خطر الوصول إلى مستوى "الكارثة"، وهو التصنيف الخامس والأشد خطورة لانعدام الأمن الغذائي.
وفي مقابل حجم الاحتياجات، وصلت المساعدات الغذائية والنقدية خلال مايو إلى نحو 3.2 ملايين شخص فقط، أي أقل من 20 بالمئة من العدد الذي قدرت الشبكة حاجته إلى المساعدة.
اقتصاد يدفع ثمن الحرب
وتضع هذه المؤشرات السودان أمام أزمة تتجاوز انخفاض الجنيه أو ارتفاع الأسعار، إلى تهديد طويل الأمد لقدرة الاقتصاد على التعافي وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.
فاستمرار الحرب يعني مزيداً من استنزاف الموارد، وتعطيل الإنتاج والتجارة والاستثمار، وتدمير البنية التحتية، ونزوح القوى العاملة، في وقت تتسع فيه احتياجات ملايين السودانيين للغذاء والخدمات الأساسية.
وتشير التقديرات الدولية إلى أنه حتى إذا توقف القتال خلال عام 2026، فإن العودة إلى مستويات ما قبل الحرب لن تكون سريعة، وأن السودان سيحتاج إلى سنوات من إعادة البناء والإصلاح الاقتصادي والمؤسسي واستثمارات ضخمة لتعويض ما فقده من رأس المال والإنتاج والتنمية البشرية.
وبذلك، فإن التحدي الاقتصادي الأكثر إلحاحاً لا يتمثل في تحقيق نسبة نمو معلنة، بقدر ما يتمثل في وقف الانهيار المتواصل للعملة والإنتاج ومستويات المعيشة، وهو ما يصعب تحقيقه من دون إنهاء الحرب التي باتت كلفتها الاقتصادية والاجتماعية مرشحة لملاحقة السودانيين لعقود مقبلة.