تواجه الميليشيات العراقية الموالية لإيران ضغوطا إقليمية وأميركية، بعد اصطفافها بجانب طهران باستهداف دول بالخليج بالمسيّرات، مع تعهد حكومة بغداد الجديدة بـ"حصر السلاح بيد الدولة".
ووفق خبراء أمنيين عراقيين وأميركيين، فإن هذه الميليشيات من جبهات الدفاع المتقدمة لإيران في المنطقة، وتسعى لفرض واقع يكبل الحكومة العراقية الجديدة عن مواجهتها بحسم.
وسبق أن دانت دول عربية الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة من داخل العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، التي تشكل خرقا للقوانين والمواثيق الدولية وانتهاكا صارخا لقرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026) الذي يطالب صراحة بأن توقف إيران فورا ومن دون قيد أو شرط أي اعتداء أو تهديد للدول المجاورة، بما في ذلك استخدام الوكلاء.
جبهة إيرانية لـ"إفشال العراق"
الخبير الأمني المستشار الأمني السابق في رئاسة البرلمان العراقي مخلد حازم الدرب، يوضح لموقع "سكاي نيوز عربية" مغزى إطلاق المسيّرات الهجومية من العراق وقت تشكيل الحكومة الجديدة، قائلا إن "هناك من يسعى إلى خلط الأوراق في هذا الوقت الحرج، الذي يشهد تشكيل حكومة تواجه تحديات كثيرة، أهمها ضبط الفصائل المصنفة ضد ما يسمى محور المقاومة وجبهات الإسناد مع إيران".
و"هذا الخلط مقصود منه إفشال مهمة الحكومة في كبح هذه الفصائل، كما فشلت الحكومات السابقة"، وفق المحلل الأمني العراقي.
وعن موقف هذه الفصائل يقول حازم الدرب إنه "بسبب ارتباطها عقائدا بإيران فهي لا تأبه بواقع العراق، ولا بانعكاس استهدافها لدول الخليج على علاقاته مع هذه الدول".
ووصف الخبير الأمني هذه الفصائل بـ"مركز الدفاع المتقدم بالنسبة لإيران التي لن تفرض فيها، فهي من أدوات التشتيت لها في المعركة"، متوقعا أن "الأيام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت وإثبات الوجود وكسر الإرادة بين إيران والولايات المتحدة على الساحة العراقية".
والخميس أكد رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، بعد أداء اليمين الدستورية، أن الحكومة ستعمل على "حصر السلاح بيد الدولة"، ضمن إصلاح المنظومة الأمنية.
ذراع طهران الطويلة للفوضى
وعن تاريخ تشكيل هذه الميليشيات الموالية لإيران في العراق، يقول الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي علاء النشوع لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "الظهور العلني لها يعود إلى 2005، بعد عامين من الاحتلال الأميركي للعراق، وقيادات هذه الفصائل تخضع لقيادة الحرس الثوري الإيراني".
وبرزت هذه الميليشيات في العراق بشكل أكبر منذ عام 2014، إثر هجوم تنظيم "داعش" الإرهابي في العام نفسه، وذلك بدعوى مواجهته.
غير أنها "لم تكتفِ بالقتال في العراق وإنما زحفت نحو دول مجاورة مثل سوريا، بحجة مكافحة داعش أيضا، وتشن هجمات على إسرائيل والقواعد الأميركية بحجة نصرة غزة، وشاركت مؤخرا في استهداف بلاد في الخليج دعما لإيران"، وفق النشوع.
وبحسب المصدر ذاته، فإنه "من عام 2014 عملت الميليشيات الموالية لإيران بتشكيلات وأسماء مختلفة تخضع جميعها لمرجع واحد هو الحرس الثوري، وقيادات إيرانية تعمل باسم المستشارين".
وزادت قوة هذه الفصائل بعد عام 2017 (العام الذي أعلن فيه العراق رسميا هزيمة داعش)، فـ"كانت الأسلحة والمعدات العسكرية الخفيفة والثقيلة تتدفق بشكل كبير على الميليشيات المدعومة إيرانيا وقتها، ونُقلت صواريخ وطائرات مسيّرة من إيران إلى العراق ومنها إلى دول الجوار، بجانب إنشاء قواعد إيرانية خاصة في جرف الصخر التي تحتوى على مصانع لإنتاج الصواريخ الميدانية، وقواعد أخرى تحت الأرض أنشأتها شركات يملكها الحرس الثوري"، كما يقول الخبير العراقي.
ويعود ذلك، وفق تقديره، إلى أن إيران "تعتبر العراق مجالها الحيوي في التحرك، وأن هذه الفصائل ذراعها القوي الذي تعتمد عليه في إثارة الفوضى، وتهديد المصالح الأميركية في المنطقة، ومنها دول الخليج".
خيارات الضغط الأميركي
أما عن خيارات التدخل الأميركي ضد هذه الميليشيات، فإن الخبير العسكري الأميركي مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون السياسية والعسكرية مارك كيميت يتوقع أن تصعد واشنطن "الضربات الجوية الانتقائية" الموجهة بدقة ضد مجمعات هذه الميليشيات وقياداتها، وإن استبعد حدوث تدخل عسكري أميركي بري ضدها.
وضمن الضغوط العسكرية الأميركية، أبلغت واشنطن بغداد في أبريل الماضي بتعليق تمويل برامج تدريب القوات المسلحة ومكافحة الإرهاب، وربطت استئناف هذا الدعم بوقف هجمات الميليشيات.
وبجانب الخيار العسكري، فإن واشنطن تحاصر هذه الميليشيات اقتصاديا، ففي أبريل الماضي نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن مسؤولين عراقيين وأميركيين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب علقت شحنة بنحو 500 مليون دولار من أوراق النقد إلى العراق، وهي عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وجمدت برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، في خطوة تهدف إلى تصعيد الضغوط على بغداد لتفكيك الميليشيات.
وتعد هذه الشحنة الثانية التي يتم تعليقها منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير الماضي.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن الميليشيات تستغل النظام المالي العراقي للحصول على الدولار، مؤكدة حظر أكثر من 20 بنكا عراقيا عامي 2023 و2024 بتهمة تهريب العملة.