في تطور يكشف تعقيدات المشهد الأمني في العراق، تبرز معطيات جديدة حول وجود قواعد سرية داخل أراضيه، في سياق تداخل إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

وبينما أثارت هذه المعلومات جدلاً واسعاً، يقدم الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية معن الجبوري قراءة تحليلية خلال حديثه لسكاي نيوز عربية تكشف أبعاد الاختراق، وطبيعة البيئة العملياتية التي سمحت بحدوثه، فضلا عن توازنات سياسية وأمنية حالت دون التعامل الحازم معه.

خرق أمني لا جدال فيه

يؤكد الجبوري أن ما جرى يمثل خرقاً أمنياً واضحاً لا يمكن إنكاره، مشيراً إلى أن تداعياته لا تقتصر على الإحراج للدولة العراقية، بل تمتد لتطال المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي يفترض بها رصد ومنع عمليات بهذا المستوى.

ويشدد على أن حجم الاختراق يعكس خللاً في القدرة على المتابعة والسيطرة، خصوصاً في بيئة عملياتية معقدة.

أول تعليق عراقي على إنشاء إسرائيل موقعا عسكريا بصحراء النجف

العراق كساحة عمليات مفتوحة

ضمن تفسيره للسياق، يلفت الجبوري إلى أن هذه الأنشطة جرت في فترة بلغت فيها الحرب ذروتها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تحول العراق إلى مسرح عمليات فعلي.

ويوضح أن الأجواء العراقية كانت ممراً دائماً للصواريخ والطائرات، سواء الأميركية والإسرائيلية أو الإيرانية، نتيجة الموقع الجغرافي الذي يضع العراق بين طرفي الصراع.

الغطاء الأميركي وآليات التمويه

يشير الجبوري إلى أن العامل الحاسم في نجاح هذه العمليات هو الغطاء الأميركي، موضحاً أن الولايات المتحدة، وبموجب الاتفاقيات القائمة، تنفذ عمليات نوعية داخل العراق منذ عام 2003 دون انقطاع.

ويضيف أن طبيعة بعض العمليات الدقيقة لا تستوجب بالضرورة إبلاغ الجانب العراقي، ما يتيح هامش حركة واسعا.

وفي هذا السياق، يبرز عنصر التمويه كعامل أساسي، حيث استخدمت معدات وأسلحة وطائرات أميركية، ما ساهم في عدم إثارة الشبهات، حتى في حال حدوث ملاحظات عرضية كما حصل مع الراعي الذي كشف الموقع.

موقع عسكري إسرائيلي سري في صحراء العراق.. من سمح بإنشائه؟

ضعف الإمكانيات مقابل اتساع التحديات

يرفض الجبوري تبرير الاختراق باتساع الصحراء العراقية، مؤكدا أن دولا أخرى تمتلك مساحات صحراوية أكبر، لكنها نجحت في تأمينها.

ويرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الإمكانيات، سواء على مستوى الرادارات المتطورة، أو الأقمار الصناعية، أو الطائرات المسيرة، إضافة إلى محدودية القدرات التقنية.

ويشير إلى أن هذا الضعف يقابله تحرك أميركي يتمتع بمرونة عالية وإمكانات متقدمة، ما يعزز فجوة السيطرة ويصعّب من مهمة الرصد.

حسابات سياسية تمنع التصعيد

في البعد السياسي، يوضح الجبوري أن الحكومة العراقية، خصوصاً السابقة، لم تكن راغبة في التصعيد مع الولايات المتحدة. ويعزو ذلك إلى اعتبارات سياسية داخلية، أبرزها سعي القيادات للاستمرار في السلطة، وتجنب أي خطوة قد تثير حفيظة الإدارة الأميركية، خاصة في ظل وضوح تأثير الفيتو الأميركي في المشهد السياسي.

كما يشير إلى أن حتى من يمتلك معلومات جزئية حول هذه الأنشطة، يفضل عدم التصادم مع واشنطن، في ظل تعقيدات التوازنات القائمة.

النفوذ الإيراني ومعادلة الضغط

لا يغفل الجبوري دور إيران، معتبرا أنها لاعب فاعل بمستوى قريب من الولايات المتحدة داخل العراق، سواء عبر النفوذ العقائدي أو من خلال الفصائل المرتبطة بها. لكنه يلفت إلى أن هذا الدور بات تحت ضغط نتيجة تغير قواعد الاشتباك، ما حدّ من تأثيره مقارنة بالسابق.

ويرى الجبوري أن الحكومة العراقية سعت إلى تحقيق توازن دقيق بين التدخلين الأميركي والإيراني، معتبرا أن نجاحها النسبي تمثل في عدم الانخراط المباشر في الصراع. إلا أن هذا التوازن كان هشاً، خاصة مع اعتبار بعض الأطراف العراق جزءا من محور الصراع، نتيجة تحركات الفصائل واستهدافها لدول في المنطقة.

ويضيف أن أدوات الحكومة بقيت محدودة، مقتصرة غالباً على بيانات الإدانة والاستنكار، دون قدرة فعلية على التأثير الميداني.

صحيفة: إسرائيل بنت سرا قاعدة عسكرية في صحراء النجف

إدارة الأزمة أم ترحيلها؟

يطرح الجبوري تساؤلا ضمنيا حول مدى وعي الحكومة بما يجري، مستبعداً أن تكون غافلة بالكامل، مرجحاً أنها اختارت “ترحيل الأزمة” بدلاً من مواجهتها. ويؤكد أن الهدف كان الحفاظ على توازن العلاقات مع كل من الولايات المتحدة وإيران، باعتبارهما لاعبين رئيسيين في الداخل العراقي.

ويصف الجبوري رد الفعل الرسمي بأنه “خجول”، ولا يتناسب مع حجم الاختراق، معتبراً أن جميع الأطراف، سواء حكومية أو غير حكومية، تتجنب الصدام مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل الغطاء الذي وفرته لهذه العمليات، إضافة إلى ارتباطها بتحركات قوات التحالف وإعادة انتشارها في المنطقة.

ويختتم الجبوري بالإشارة إلى أن إنشاء قواعد بهذا المستوى لا يمكن أن يتم في فترة قصيرة، بل هو نتاج تخطيط طويل ودقيق. ويرى أن اكتشافها لم يكن نتيجة جهد استخباراتي، بل جاء بالصدفة، فيما شكّلت التقارير الإعلامية والصور المنشورة العامل الأبرز في كشف القضية للرأي العام.