حمَل قرار الحكومة الإسرائيلية بالمضي قدما في إجراءات جديدة تتعلق بإدارة وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية، مخاوف من احتمال اشتعال توتر جديد في الأراضي الفلسطينية، خاصة في توقيت حساس أعقب التقدم في تنفيذ مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى تثبيت وقف الحرب في قطاع غزة.
ويثير التحرك الإسرائيلي الأخير جدلا سياسيا وقانونيا واسعا، إذ ترى أوساط فلسطينية ودولية أن الخطوة تحمل أبعادا سيادية تعيد بها تل أبيب رسم خريطة السيطرة على الأراضي في الضفة الغربية، ما يغير الواقع على الأرض قبل أي مسار تفاوضي مستقبلي.
ويرى محللون ومراقبون، في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن توقيت القرار يضاعف حساسيته؛ فبينما لا تزال الأوضاع صعبة بعد توقف العمليات العسكرية في غزة، قد يؤدي فتح ملف الضفة الغربية إلى إشعال الموقف مجددًا بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
مخاوف دولية
هذه المخاوف الدولية من تصاعد الأوضاع مجددًا عبر عنها الاتحاد الأوروبي، الذي دعا إسرائيل إلى التراجع عن إجراءاتها الجديدة الهادفة إلى تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، معتبرًا تلك الخطوة "تشكل تصعيداً جديداً، من شأنه تقويض فرص تحقيق حل الدولتين، وتأزيم الوضع في المنطقة".
وأقرت الحكومة الإسرائيلية إطلاق عملية شاملة لتسجيل الأراضي في الضفة الغربية في خطوة توصف بأنها الأولى من نوعها منذ عام 1967، بما يسمح للإسرائيليين بشراء أراضٍ في الضفة الغربية بشكل مباشر، ونقل صلاحيات إصدار تصاريح البناء للمستوطنات اليهودية في مدينة الخليل الفلسطينية -أكبر مدن الضفة الغربية- من السلطة الفلسطينية إلى إسرائيل.
"نار تحت الرماد"
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس والقيادي في حركة فتح أيمن الرقب، إن "القرار الجديد الذي يسمح للإسرائيليين بالبيع والشراء داخل مناطق (أ) بالضفة الغربية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يعني عملياً نسف ما تبقى من الاتفاقات، التي لم يتبق منها سوى الترتيبات الأمنية والفصل الإداري، رغم أن هذه المناطق تضم أكثر من 85% من سكان الضفة".
وأضاف الرقب في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية"، أن "القرار يعكس استعجالاً واضحاً في مسار الضم، في ظل عام انتخابي يشهد صراعاً حاداً داخل معسكر اليمين الإسرائيلي نفسه، والتنافس المقبل سيكون داخلياً، وهو ما سيقود إلى مزيد من التشدد ضد الفلسطينيين، خصوصاً أن هذه الخطوات تستهدف كسب أصوات المستوطنين الذين يقترب عددهم من مليون في الضفة".
واعتبر أن "الوضع في الضفة يبدو ظاهرياً مستقراً، لكنه استقرار خادع، فهناك ناراً تحت الرماد قد تنفجر في أي لحظة، في ظل تصاعد الضغوط الميدانية والسياسية"، وفق تعبيره.
وأوضح الرقب أن "هذه الإجراءات تمثل في مفهومها العام ضماً فعلياً للضفة الغربية، لأن سحب الصلاحيات الإدارية الكاملة سيطلق يد المستوطنين في مصادرة الأراضي، وكذلك الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك تطبيق قانون أملاك الغائبين الذي يتيح مصادرة أراضي من يغيبون عشر سنوات عن المنطقة".
ولفت إلى أنه "خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع الحرب على غزة، جرى تضييق واسع في الضفة، فمخيم جنين شهد هدم عدد كبير من المنازل، وهناك فصل واسع بين سبع مدن رئيسية في الضفة، وبالتالي فالقرار الأخير سيؤدي إلى توسع استيطاني كبير وشق طرق إضافية لخدمة المستوطنات، إلى جانب توسيع السيطرة على مواقع دينية وأثرية".
قلق أميركي
من واشنطن، حذر أستاذ القانون الدولي في جامعة فيرلي ديكنسون والمستشار السابق ضمن فريق ترامب، غبريال صوما، من أن "هناك قلقًا حقيقيًا من أن الخطة الإسرائيلية، سواء تعلقت بالتوسع الاستيطاني أو بإجراءات تسجيل الأراضي، قد تؤدي إلى تفجير الأوضاع مجددًا".
وأوضح في تصريحات خاصة لـ"سكاي نيوز عربية"، أن "الضفة الغربية تشهد منذ سنوات تصاعدًا في العمليات الفردية وانتشارًا للسلاح، إلى جانب احتكاكات شبه يومية بين القوات الإسرائيلية وفلسطينيين، ما يجعل أي خطوة جديدة بمثابة شرارة محتملة فوق برميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة".
ومع ذلك، أشار صوما إلى أن "إدارة ترامب لم تُبد اعتراضًا واضحًا على هذه الإجراءات، خلافًا لإدارات أميركية سابقة اعتادت توجيه انتقادات مباشرة لسياسات التوسع الاستيطاني"، في الوقت الذي أقدمت الإدارة على "إلغاء عقوبات كانت مفروضة على مستوطنين في الضفة الغربية وعلى منظمات مرتبطة بأعمال عنف، وهو ما اعتبر إشارة سياسية داعمة للمشروع الاستيطاني".
"تكريس" واقع جديد
ويرى الخبير المختص في الشؤون الشرق أوسطية والشأن الإسرائيلي، حسن مرهج، أن "قرار الحكومة الإسرائيلية يشكل خطوة سياسية وقانونية ذات أبعاد تتجاوز الإطار الإداري، إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض تخدم التوسع الاستيطاني وتثبيت معادلات يصعب تغييرها مستقبلًا".
ولفت مرهج في تصريحات لـ"سكاي نيوز عربية" إلى أن "هذه الخطوة تأتي في ظل تفوق إسرائيلي في المواجهات العسكرية الأخيرة، إضافة إلى الدعم الأميركي المستمر، ما يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشًا واسعًا للمضي في سياسات أحادية الجانب دون خشية ضغوط حقيقية".
لكنه مع ذلك، شدد على أن "هذا المسار من شأنه أن يعمق حالة التوتر في الضفة الغربية، ويُضعف فرص استئناف أي عملية سياسية جدية، كما قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من الاحتقان والتصعيد الميداني".
وقال مرهج: "استمرار فرض الوقائع بالقوة سيؤدي إلى مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار، ويضع المنطقة أمام احتمالات للمواجهة، ما يستدعي موقفًا دوليًا مسؤولًا يحول دون انزلاق الأوضاع إلى موجة تصعيد جديدة".