حمل الإعلان الرسمي عن فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، مشاعر متباينة لدى آلاف الفلسطينيين المقيمين في مصر، بين شوق جارف للعودة ولم الشمل، وخوف عميق من واقع إنساني وأمني بالغ القسوة لا يزال يخيم على القطاع حتى الآن.

وبينما يمثل فتح المعبر نافذة أمل للبعض للعودة إلى أسرهم بعد شهور طويلة من الفراق، يراه آخرون قرارًا صعبًا محفوفًا بالمخاطر، في ظل استمرار تداعيات الحرب، وتدهور الأوضاع المعيشية، ومخاوف من تجدد العمليات العسكرية.

من بين هؤلاء الراغبين في العودة هند العاصي، أربعينية من قطاع غزة، وصلت إلى مصر قبل نحو عام برفقة طفلها لتلقي العلاج، تاركة خلفها باقي أبنائها مع والدهم داخل القطاع، وبعد انتهاء رحلة العلاج، أقامت في مدينة العريش بانتظار لحظة العودة.

تقول هند، في حديثها لـموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "قرار العودة لم يكن سهلًا، لكنه حتمي بالنسبة لها، فرغم أن السلطات المصرية لم تقصر معنا في العلاج أو الإقامة، لكن الشوق لأبنائي أقوى من أي شيء، فقد تعبت من فراقهم، وأريد لم شمل أسرتي حتى لو كانت الظروف في غزة شديدة الصعوبة".

وتؤكد أنها سارعت بتسجيل بياناتها فور الإعلان عن فتح رابط تسجيل الراغبين في العودة، معتبرة أن وجود أسرتها داخل القطاع كان العامل الحاسم في قرارها.

وسبق أن أعلنت سفارة فلسطين في القاهرة، عن رابط إلكتروني لتسجيل بيانات الراغبين بالعودة إلى قطاع غزة، موضحة أن "السفر يشترط ألا يحمل كل مواطن أكثر من حقيبتي ملابس فقط، على ألا تحتوي على معدات كهربائية أو معدنية، فيما يُسمح بحمل السجائر والأدوية في حدود الاستخدام الشخصي غير التجاري".

تدرك هند صعوبة الأوضاع الميدانية في غزة، لكن في رأيها "أن تكون مع أسرتها في السراء والضراء وعلى أرضها أفضل من أي شيء"، ومع ذلك تأمل أن يستمر وقف الحرب وألا تعود الضربات العسكرية مجددًا، وأن تبدأ سريعاً عمليات إعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية: "منذ أكتوبر 2023 وأهل غزة جميعًا يعانون أشد معاناة، ونأمل أن ينتهي كل هذا في أقرب وقت".

وقدرت الحكومة المصرية عدد الفلسطينيين الذين استقبلتهم عبر معبر رفح البري منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة بنحو 110 آلاف شخص، من بينهم قرابة 8 آلاف مصاب، إضافة إلى مئات من المرافقين.

"قرار مؤجل"

على الطرف الآخر من المشهد، تقف نهى حامد، التي تختلف حساباتها تمامًا؛ إذ جاءت إلى مصر برفقة والدتها للعلاج، لكنها ترى أن العودة إلى غزة في الوقت الراهن "شبه مستحيلة".

تقول نهى: "الفراق صعب، لكنه أهون من العودة إلى واقع بلا حياة، فغزة اليوم ليست كما كانت في السنوات الماضية فلم تعد هناك بيوت أو أمان أو مقومات بسيطة للعيش والحياة"، موضحة أن عائلتها تعيش قلقًا مستمرًا من احتمالات استئناف الحرب: "هل سنعود إلى خيمة تمطر علينا السماء في الشتاء، وهل سنجد ما نأكله إذا تجددت الحرب.. هذه كل مخاوفنا".

ووفق منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، فإن "عودة سكان غزة من مصر إلى القطاع ستقتصر على السكان الذين غادروا غزة أثناء الحرب، وذلك رهناً بالحصول على موافقة أمنية مسبقة من إسرائيل وبالتنسيق مع مصر، وبالإضافة إلى التفتيش الأولي الذي سيجريه الاتحاد الأوروبي، ستجري المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عمليات تفتيش إضافية في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي".

أخبار ذات صلة

إسرائيل تعلن استكمال إنشاء نقطة تفتيش للقادمين من معبر رفح
إسرائيل تعتبر عملية التشغيل التجريبي لمعبر رفح ناجحة
فتح معبر رفح.. كيف تستعد مصر لاستقبال مصابي غزة؟
إسرائيل تكشف آلية عمل معبر رفح.. من يمر وكيف؟

رغبة كبيرة في العودة

بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس والمقيم في مصر، أيمن الرقب، في حديثه لـ"سكاي نيوز عربية"، إن "فتح معبر رفح كشف عن حجم الرغبة الحقيقية لدى الغزيين الموجودين في مصر في العودة إلى القطاع، رغم قسوة الأوضاع الإنسانية هناك".

وأوضح الرقب أنه "عقب إعلان سفارة فلسطين البدء في تسجيل الراغبين في العودة إلى قطاع غزة، سجل نحو 30 ألف فلسطيني أسماءهم خلال شهر واحد فقط"، معتبرًا أن "هذه الأرقام تحمل دلالة بالغة الأهمية، خاصة أن عدد من دخلوا إلى مصر خلال فترة الحرب يصل إلى نحو 120 ألف فلسطيني، مع الأخذ في الاعتبار أن جزءًا منهم غادر لاحقًا إلى دول أخرى، ما يعني أن أعداد الراغبين ستتضاعف مع التسجيل مجددًا، لأن الغالبية من الغزيين الموجودين في مصر يحاولون العودة منذ فترة".

واعتبر الرقب أن "هذه الأرقام تهدم خطط إسرائيل التي كانت تسعى بشكل واضح إلى عدم عودة أي فلسطيني خرج من قطاع غزة خلال الحرب، إلا أن الموقف المصري الصلب، والقائم على عدم السماح بخروج أي فلسطيني من غزة إلا مقابل عودة العدد نفسه إلى القطاع، شكل عامل ضغط حاسمًا".

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن "مفاوضات استمرت خاضها الجانب المصري لعدة أيام، أسفرت عن موافقة الجانب الإسرائيلي على آلية "العودة بالمثل"، أي خروج عدد محدد مقابل عودة العدد نفسه"، لافتًا إلى أن "هذه الآلية تمثل خطوة مهمة، في ظل إصرار إسرائيل خلال الفترة الماضية على إفراغ قطاع غزة من سكانه، لكن الحديث عن تشغيل معبر رفح، وبدء عودة الأفراد بشكل رسمي، يمثل تطورًا بالغ الأهمية على الصعيدين الإنساني والسياسي".

وبشأن رغبة البعض في العودة رغم الظروف القاسية داخل القطاع، قال الرقب إن "الفلسطيني يعود إلى المجهول بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن بين العائدين من خرج للعلاج، ومن غادر نتيجة ظروف إنسانية وأمنية محددة، لكن القاسم المشترك بينهم هو الرغبة في العودة لرؤية ما تبقى من بيوتهم، حتى وإن كانت مجرد أطلال".

وشدد على أن "هذه العودة، رغم مرارة الواقع وقسوته، تسقط كل الروايات التي حاولت تل أبيب الترويج لها بشأن تخلي الفلسطيني عن أرضه، وتثبت تمسكه العميق بها، مهما كانت التحديات".

بارقة أمل

واعتبر سفير فلسطين السابق بالقاهرة، بركات الفرا، فتح معبر رفح البري في الاتجاهين بأنه "يعد عملاً جيدًا ومطلوبًا، ويشكل بادرة أمل لأهالي قطاع غزة، باعتباره شريان الحياة الوحيد الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي، بعدما تسبب إغلاقه في تفاقم المعاناة الإنسانية لسكان القطاع".

وأوضح الفرا، في تصريحات لموقع سكاي نيوز عربية، أن "فتح معبر رفح، رغم كل التعقيدات، يظل أفضل بكثير من استمرار إغلاقه، إذ من شأنه أن يخفف تدريجيًا من معاناة سكان قطاع غزة، ويسهم في عودة أسر فلسطينية أُدرجت ضمن تعداد المُهجرين خلال الفترة الماضية".

وأضاف أن "فرحة فتح المعبر من الجانب الفلسطيني تظل منقوصة في ظل تحكم إسرائيل في قوائم من يخرجون ويدخلون، بدلًا من أن تكون السلطة الفلسطينية والبعثة الأوروبية هما الجهتان المسؤولتان عن إدارة حركة العبور، وسط جهود مصرية مكثفة بُذلت من أجل فتح معبر رفح".