تعكس الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا عمق الشراكة الاقتصادية بين البلدين، وتؤدي دوراً متنامياً في دعم النمو وتعزيز الابتكار وتطوير القدرات الصناعية، من خلال توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات استراتيجية تسهم في تحديث منظومة الإنتاج، وتبني التقنيات المتقدمة، ودعم الشركات والمشروعات القادرة على خلق قيمة مضافة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الألماني.

تجمع دولة الإمارات وألمانيا شراكة متنامية في مختلف المجالات، عززها توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الثنائية عام 2004، والتي شكلت إطاراً لتعزيز التعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية وغيرها.

على المستوى التجاري، بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وألمانيا 15.51 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلاً نمواً بأكثر من 14 بالمئة، بما يعكس تنامي حركة التجارة وتوسع العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

أخبار ذات صلة

محمد بن زايد ورئيس ألمانيا يبحثان سبل تعزيز التعاون
الإمارات وألمانيا: شراكة قوية لاقتصاد المستقبل

تعكس الاستثمارات المتبادلة عمق الشراكة الاقتصادية أيضاً، إذ بلغ حجم الاستثمارات الألمانية في الإمارات 8.96 مليار دولار خلال الفترة من 2020 إلى 2024، مقابل 744 مليون دولار للاستثمارات الإماراتية في ألمانيا خلال الفترة نفسها، وفق البيانات التي نشرها المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات.

تضم دولة الإمارات نحو 2000 شركة ألمانية تعمل في قطاعات مختلفة، وتتخذ من الدولة مركزاً إقليمياً لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، فيما يواصل مجتمع الأعمال الإماراتي توسيع حضوره واستثماراته في السوق الألمانية.

تتركز أبرز مجالات الشراكة الاقتصادية بين البلدين في التجارة والاستثمار، والابتكار، والسياحة، وتطوير الكفاءات، مع وجود فرص واسعة لتوسيع التعاون في قطاعات مستقبلية تشمل الطاقة النظيفة، والصناعة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، والتقنيات الصناعية المتقدمة.

الاستثمارات

من برلين، يقول الكاتب والمحلل المتخصص في الشؤون الأوروبية الدكتور عبدالرحمن عمار، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • أهمية الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا تنبع بالدرجة الأولى من كونها تأتي من شريك موثوق يتمتع بعلاقات اقتصادية واستثمارية متنامية مع برلين، إلى جانب تركّزها في قطاعات حيوية تمثل أولوية للاقتصاد الألماني، وفي مقدمتها الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
  • رصيد الاستثمارات الإماراتية المتنامي يعكس تنامي الحضور الاقتصادي الإماراتي في أكبر اقتصاد أوروبي، ويؤكد اتساع نطاق الشراكة بين البلدين من التعاون التجاري التقليدي إلى شراكات استثمارية واستراتيجية طويلة الأمد.
  • زيارة الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا ولقاءه مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس تأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل توجه البلدين نحو توسيع الشراكة الاستراتيجية وتعميق العلاقات الاقتصادية، بالتوازي مع بحث ملفات التعاون المتعلقة بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

ويشدد على أهمية الاستثمارات المتبادلة، لا سيما في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد الألماني، سواء على مستوى ارتفاع تكاليف الطاقة أو الضغوط التي تواجه القطاع الصناعي، وفي مقدمتها صناعة السيارات، موضحاً أن ضخ استثمارات إماراتية في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا يمكن أن يدعم مساعي الحكومة الألمانية لإيجاد حلول عملية لهذه التحديات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني.

ويؤكد عمار أن التعاون الإماراتي الألماني في مجالات الطاقة والهيدروجين والتكنولوجيا والصناعة المتقدمة يوفر أرضية قوية لشراكة أكثر عمقاً، خصوصاً أن البلدين لديهما بالفعل أطر تعاون في أمن الطاقة وسلاسل إمداد الهيدروجين والتحول الصناعي.

وبالتالي، فإن الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا لا تمثل مجرد تدفقات لرؤوس الأموال، وإنما يمكن أن تشكل رافعة لدعم قطاعات استراتيجية في الاقتصاد الألماني، وفي الوقت نفسه تعزز حضور الإمارات كشريك اقتصادي واستثماري رئيسي في أوروبا.

أخبار ذات صلة

نسيبة: نتوقع توقيع 45 اتفاقية بين الإمارات وألمانيا
الإمارات وأوروبا.. ثقل اقتصادي يفتح آفاقاً جديدة للشراكة

محطات رئيسية

ويشار إلى أنه في يوليو 2025، شهدت برلين إطلاق مجلس الأعمال الإماراتي ـ الألماني بحضور أكثر من 150 شخصية من قادة الأعمال والشركات في البلدين، بهدف تعزيز التجارة والاستثمار وتطوير الشراكات بين مجتمعَي الأعمال، فيما يضم المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة، الذي تأسس عام 2009، أكثر من 500 شركة ألمانية وإماراتية، وفق وام.

ويشير التقرير إلى أن:

  • الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا تعكس انتقال الشراكة من التجارة إلى استثمارات نوعية وشراكات صناعية طويلة الأمد.
  • في ديسمبر 2025 أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم مشروع توسعة لشركة "ليشتميتال" التابعة لها في ألمانيا باستثمارات تبلغ نحو 170 مليون دولار، بهدف زيادة قدرات إعادة تدوير الألمنيوم، على أن تبدأ المنشأة الجديدة عمليات الإنتاج بحلول عام 2028.
  • بدورها استكملت شركة «XRG» ذراع الاستثمار الدولي في قطاع الطاقة المملوكة لـ«أدنوك»، في ديسمبر 2025 الاستحواذ على شركة «كوفيسترو» الألمانية، إحدى الشركات العالمية الرائدة في تصنيع الكيماويات والبوليمرات عالية الأداء والمواد المستدامة، في صفقة بلغت قيمتها 14.7 مليار يورو، بما يعزز حضور الاستثمارات الإماراتية في قطاع الصناعات المتقدمة.
  • في مايو 2026، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقية للاستحواذ على شركة «إم بي إس اللوجستية» الألمانية بقيمة مؤسسية بلغت نحو 300 مليون درهم، بما يمثل بوابة إستراتيجية إلى سوق وسط أوروبا ويعزز حضور المجموعة في مراكز الخدمات اللوجستية متعددة الوسائط في ألمانيا.

قطاع الطاقة

وفي قطاع الطاقة، تسهم شركة "أدنوك" في توفير إمدادات موثوقة ومستدامة من الطاقة لألمانيا عبر شراكات استراتيجية ومشاريع متكاملة في مجالات الطاقة النظيفة والغاز.

على صعيد الطاقة النظيفة، توفر شركة "مصدر" 476 ميغاواط من الطاقة النظيفة لألمانيا من خلال الاستثمار في مشروع مزرعة الرياح البحرية "إيغل بحر البلطيق" بقيمة تصل إلى 1.6 مليار يورو، مما يسهم في تزويد 475,000 منزل في ألمانيا بالطاقة عبر هذا المشروع.

الإمارات وألمانيا.. تعاون اقتصادي وشراكة استراتيجية

وفي مجال الغاز الطبيعي، تسهم استثمارات شركة "XRG" في ممر الغاز الجنوبي لتعزيز تنوع وموثوقية إمدادات الغاز إلى أوروبا، بما يدعم أمن الطاقة في ألمانيا بشكل مباشر. كما توفر "أدنوك" للسوق الألمانية 1.6 مليون طن متري سنوياً من الغاز الطبيعي المسال عبر اتفاقيات توريد طويلة الأمد، وهو ما يلبي الاحتياجات السنوية من الطاقة لنحو 3.5 مليون منزل في ألمانيا.

وفيما يخصل "الاستثمار في القدرات الصناعية لألمانيا"، تتجاوز الاستثمارات الإجمالية شركات "أدنوك"، "XRG"، و"مصدر" 20 مليار يورو في قطاعي الطاقة والصناعة داخل ألمانيا.

وفي هذا الإطار، تلعب شركة "XRG" دوراً بارزاً من خلال استثمارات إستراتيجية تبلغ أكثر من 14 مليار يورو في شركة "كوفسترو" الألمانية المتخصصة في الصناعات، وهي شركة تضم نحو 7,000 موظف يعملون عبر ستة مواقع مختلفة داخل ألمانيا.

شراكة استراتيجية

وإلى ذلك، يشير خبير العلاقات الدولية والاقتصادية محمد الخفاجي، لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن "العلاقات الاستثمارية الإماراتية–الألمانية دخلت مرحلة تتجاوز مفهوم الاستثمار التقليدي نحو شراكة استراتيجية تركز على قطاعات حاسمة لمستقبل القدرة التنافسية لألمانيا وأوروبا، وعلى رأسها الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ويوضح الخفاجي أن مستهدفات توسيع نطاق وحجم الاستثمارات الإماراتية في قطاعي الطاقة والصناعة تأتي في توقيت تواجه فيه ألمانيا تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الاستثمار الصناعي، والحاجة إلى تحديث البنية التحتية وتسريع التحول الرقمي والأخضر.

ويضيف أن أهمية هذه الاستثمارات لا تكمن في حجم رأس المال فقط، وإنما في طبيعة القطاعات التي تستهدفها (..) والتي تسهم في بناء أصول إنتاجية جديدة، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتعزيز أمن الطاقة، وهي عوامل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالقدرة التنافسية للصناعة الألمانية.

ويشير الخفاجي إلى أن الشراكة الإماراتية–الألمانية تتوسع من إنتاج الطاقة إلى تخزينها، مستشهداً ببحث مصدر وشركاءها الألمان فرص تطوير أنظمة بطاريات تخزين الطاقة في ألمانيا، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح البحرية والهيدروجين الأخضر، بما يعكس توجه البلدين نحو دعم التحول إلى منظومات طاقة أكثر استدامة.

ويلفت إلى أن البعد الصناعي والتكنولوجي يمثل محوراً إضافياً لهذه الشراكة، في ظل قدرة رأس المال الإماراتي على تمويل قطاعات تتطلب استثمارات طويلة الأجل، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة (..).

ويؤكد أن:

  • تدفق رؤوس الأموال الإماراتية طويلة الأجل يمكن أن يسهم في سد جزء من فجوة التمويل اللازمة لتحديث الصناعة الألمانية، خصوصاً في القطاعات التي تجمع بين خفض الانبعاثات ورفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا المتقدمة.
  • تقييم نجاح الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا يجب ألا يقتصر على قيمة الصفقات أو عدد الشركات المستفيدة، وإنما ينبغي أن يرتبط بالأثر الاقتصادي الذي تولده هذه الاستثمارات، من حيث حجم الطاقة النظيفة المضافة، وخفض الانبعاثات، وتمويل المصانع والتقنيات الجديدة، إلى جانب الوظائف التي يتم توفيرها وسلاسل التوريد الصناعية التي تنشأ حول هذه المشروعات.
الإمارات وألمانيا.. شراكة استراتيجية في الاستثمار