حرب المدن هى الحرب الفادحة فى نتائجها على الجيوش النظامية والسكان فى المدينة التى تتعرض للهجوم، وهى الحرب الأصعب على الجيوش المدججة بأنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، القادرة على التدمير فى المعارك الأرضية مهما بلغت قدرات القوات الغازية من دُربة واحتراف.

عندما تستولى القوات المهاجمة على مدينة ماتلبث المقاومة العاتية فى التصدى لها، سواء كان المقاومين مدنيين من السكان المحليين أو ميلشيات متطوعة من أماكن مجاورة هبت للمساعدة، حيث تدور المعارك من شارع لشارع ومن بيت لبيت، وفى هذا النوع من الحروب ينطبق المثل العربى أهل مكة أدرى بشعابها.

ربما تشارك القوات المسلحة للدولة صاحبة المدينة التى تتعرض للغزو بإرباك خطوط إمداد المهاجمين وقصف قواتهم الداعمة من الخارج، عندها تجد القوات المغيرة نفسها فى ورطة صعبة، لذلك تبنت القوى الكبرى أسلوب التدمير العنيف الكامل بالقصف الرهيب عن طريق الجو فى الحرب العالمية الثانية. تلى ذلك ظهور الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التى تحمل رؤوس نووية، والتى تتحاشى تماما القوى الكبرى الإقدام على استخدامها، لأن العالم عند التهور باللجوء إليها يصبح على حافة هاوية الفناء.

طوال التاريخ كانت الحروب ضد المدن تتصف بأنها ذات طبيعة معقدة ومتغيرة، وقديما كانت المدن تتحصن فى مواجهة المهاجمين، مما استدعى تطوير تقنيات أكثر تطورا للتغلب الحصون والاستحكامات الدفاعية، فالمدن دائما منذ العالم القديم هى مركز للسلطة والثروة، وكثيرا ما تحتل موقعا حاكما.

احتفاء هوميروس فى الإلياذة بحرب طروادة ذى دلالة فى ملحمته الشعرية، وهو يحكى كيف تم الاستيلاء عليها بعد حرب ضروس استمرت عشر سنوات، ورغم البعد الأسطورى فى التناول إلا أن الموضوع فى حد ذاته يأتى كانعكاس لحروب المدن بين بعضها البعض فى هذه المنطقة من العالم القديم، وهناك رأى بين المؤرخين يرى أن أول حرب لمدينة فى التاريخ تمت منذ ثمانية ألاف عام، فى مدينة تدعى "جاتال هويوك" كان موقعها موجود فى تركيا حاليا.

فى مرحلة تالية تخلصت المدن من حصونها وأسوارها نتيجة بعدين الأول: تطور تسليح الجيوش واعتمادها على المدفعية بعيدة المدى عوضا عن الأساليب القديمة للقصف، أما البعد الثانى فهو: التحول الذى تم فى بنية الدولة الحديثة، مما أعلى من أهمية المدن السياسية والاقتصادية، وباستمرار النزوح المستمر لها أخذت تتعمق مكانتها الاجتماعية أيضا, ومن ثم زاد استهداف المدن في الحرب.

بعد أن استوعبت الجيوش المعاصرة خطورة الحروب داخل المدن وما تتكبده قواتها فيها من خسائر لجأت إلى وسائل أكثر دموية وعنفا وتدميرا؛ إلى حد الإبادة الكاملة، فمنذ أن أحرق الرومان مدينة قرطاج بالنار بعدها بقرون اكتوت بها "جورنيكا"، التى قاومت ببسالة ضد "الجنرال فرانكو" مما جعله يستعين بقوى خارجية حيث قام بإبادتها طيران النازى الألمانى والفاشيست الإيطالى، مما دعا "بيكاسو" لإبداع لوحة بإسم هذه القرية أو المدينة الصغيرة صارت أيقونة فى الفن التشكيلى المعاصر، تعبر عن بشاعة هذا التدمير الفظيع الذى يشار إليه بأنه أول تدمير كامل لمدينة من الجو.

فى الحرب العالمية الثانية شهدت عدة مدن عنف وقسوة بالغين، نتيجة القصف الجوى الذى أتى على الأخضر واليابس من طرفى الحرب اللذان أصابتهما لوثتها، ومثالا لهذا قصف النازى لمدينة "كوفينترى" فى غرب أنجلترا، التى شهدت دمارا هائلا لم تشهده أى مدينة بريطانية أخرى، وبسبب جنون الحرب لم تتخذ الحكومة أى إجراءات استباقية، حتى لا تكشف علمها بنية الألمان الهجوم على المدينة، وحتى لا يعرف الألمان أن الحلفاء نجحوا للتو فى فك "شفرة أنيجما" التى باكتشافها تصبح كل خطط الألمان فيما بعد معروفة ومتاحة.. بعد انتهاء الحرب قامت الحكومة بإعادة بناء المدينة بالكامل.

على الجانب الآخر قام طيران سلاح الجو الأمريكى والبريطانى فى فبراير من عام 1945 بقصف مكثف على مدينة "درسدن" الألمانية، وفي خلال 23 دقيقة فقط بدت المدينة وكأنها مغطاة ببساط من القذائف، مما تسبب فى تدمير مساحة 15 كيلو متر مربع وتم تدمير مركز المدينة بالكامل، ومن المفارقات الإنسانية فيما بعد مشاركة فنان بريطانى كان أبوه مشاركا فى قصف المدينة فى إعادة بناء كنيسة "فراون كيرشه" التي تعود الى العصر الباروكى، وقد بدأ إعادة بناء هذه التحفة المعمارية عام 1994 واستغرقت 11 عاما، وجدد معها النصب التذكارى للقس المجدد "مارتن لوثر"، بعد جمع تبرعات من جميع دول العالم وأصبح المكان رمزا للأمل والمصالحة فى مدينة صارت مزارا سياحيا، ولم يبق من الدمار سوى بانورما تحكى أيام الحرب العصيبة كعبرة وعظة لتحاشى الخوض ثانية فى أوارها.

اختتم دمار المدن فى الحرب العالمية الثانية بنهاية مأساوية مروعة، حينما قامت الولايات المتحدة بإلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما ونجازاكى فى السادس والتاسع من أغسطس عام 1945، وبلغ من عنف الضربتين أن المدينتين تمت تسويتهما بالأرض تماما فى لحظات، وقتل بسبب هذا القصف مايزيد عن مئتى ألف إنسان، وفى الرابع عشر من أغسطس أعلن الإمبراطور اليابانى الاستسلام لشروط الحلفاء، ثم أعيد بناء المدينتين المنكوبتين من جديد.. بعدها اعتلى السلاح النووى قائمة أسلحة الدمار الشامل، فى أول وآخر مرة يستخدم فيها هذا السلاح الأشد فتكا بالبشر والمكون المادى للحضارة.