تروي المخطوطات حادثة مهمة خاض غمارها "صن تسو" قبل تكليفه بقيادة الجيش من قبل الملك "هو لوو"، ليختبره بعد ذيوع صيته كقائد محنك، إذ طلب منه تدريب مجموعة من النساء ليصعب عليه اختبار قدرته، فقسمهن إلى مجموعتين لكل مجموعة قائدة ثم شرح كيف يقمن بالدوران طبقا للأوامر على وقع دقات الطبول، وعندما أعطى أوامره انفجرت النساء في الضحك.
وعندما كرر أوامره استمر الضحك والقهقهة، فأمر بقطع رقبتي قائدتي المجموعتين، فأرسل إليه الملك طالبا منه عدم تنفيذ ذلك، فكان رده: "إن تكليفكم لي بقيادة القوات يعنى أن بعض أوامركم لا يمكنني قبولها وأنا خاضع لهذا التكليف"، وقطع رقبة القائدتين وعين أخريين مكانهما، وعندما أعاد أوامره استجابت المتدربات في صمت بكل دقة، واستمرت التدريبات العسكرية ووصل تدريبهن إلى مستوى المحاربين المحترفين.
تم تعيين صن تسو قائدا عاما ونجح في التوسع والاستيلاء على الممالك المجاورة وبث الرعب لدى خصومه بالانتقال من نصر إلى نصر، وتشير المخطوطات الصينية إلى انتصاره بجيش قوامه 30 ألف جندي على جيش معاد بلغ تعداده 200 ألف جندي، نتيجة افتقار الجيش المقابل إلى عنصري التنظيم وإدارة العمليات على الأرض، ولخص وقتها في شأن الحرب مقولة خالدة عندما صك القاعدة التي يقول فيها: "عندما تعرف قدراتك وقدرات خصمك لا تخش نتائج مائة معركة، وإن كنت تعرف قدراتك وتجهل قدرات خصمك لن تنجو من هزيمة حتى لو حققت نصرا ما، أما إذا كنت تجهل قدراتك وقدرات خصمك فالهزيمة المؤكدة هي حليفك في كل معاركك".
لا تخلو النسبة الأكبر من الدراسات أو مقالات البحث في مجال الاستراتيجية خاصة في جوانبها العسكرية، من الاستعانة بمقتطفات من كتاب المفكر العسكري والفيلسوف الصيني ذائع الصيت صن تسو (551-496 قبل الميلاد) صاحب أول مؤلف متكامل استراتيجيا وتكتيكيا في فنون الحرب، والرؤية الأعمق والأشمل لجوانبها وتفاصيلها المختلفة كتدريب وإعداد القوات وإدارتها مع بدء العمليات القتالية وأثنائها.
عاصر القائد العسكري صن تسو فترة تحول خطيرة في تاريخ الصين خلال الانتقال من مجتمع العبيد إلى المجتمع الإقطاعي، وما صاحبها من تغيرات في البنية الاجتماعية والسياسية أسفرت عن عدة ممالك سيطرت على الحكم في جهات مختلفة من البلاد، ومن ثم دار بينها النزاع على السلطة والحكم حيث سعت كل مملكة للتوسع، ومن هنا تواصلت بينها الحروب وامتدت لأوقات طويلة ولم يكن صن تسو بمعزل عن هذه الأوضاع التي أثرت خبراته العسكرية، وساعدت على تراكمها تماهيا مع عقله النابه وحكمته البالغة في قراءة وقائع الحرب والسياسة، مما وثب به إلى مرتبة لم يحظ بها أي من أقرانه.
كان لتوجيهات صن تسو بالغ الأثر لتعزيز وعي القادة السياسيين بطبيعة الحرب، وساهم في تمكين القادة من القدرات العسكرية الواجبة استراتيجيا وتكتيكيا.
وضع صن تسو 5 قواعد حاكمة يجب اتباعها لتحقيق النصر في المعارك وهى أولا القانون الأخلاقي: ويعني به أهمية قبول الشعب للملك واتفاقهم معه، ثانيا السماء: ويقصد بها ضبط أوقات المعارك طبقا لفصول السنة وانقسام ساعات النهار والليل، ثالثا الأرض: وتعني بلغة العصر دراسة طبوغرافية مسرح العمليات، رابعا القائد: ويحدد تسو أهم صفاته في الحكمة والشجاعة والنزاهة والصرامة، خامسا الانضباط: يتحقق من خلال التنفيذ الكامل للأوامر سواء من القادة بمختلف مستوياتهم أو الجنود، والتنظيم الصحيح للجيش وقواعد الترقي والسيطرة على الإنفاق العسكري.
ليس مستغربا أن يقول صن تسو "أفضل الأعمال تحطيم مقاومة العدو من دون قتال"، لأن البعد الفلسفي في كتاب فن الحرب يتأسس على الطاوية ببعدها الفلسفي الديني، حيث يرى كثير من المحللين ومنهم ستيفن سي كومبس أنه يُعزى ارتباط تطبيق الاستراتيجيات من كتاب فن الحرب عبر التاريخ الصيني إلى مضامين خطابها الفلسفي، ومن ثم فالطاوية هي المبدأ القيمي المركزي في كتاب فن الحرب، لذلك وفيما بعد في الصين الحديثة كان استيعاب الكتاب مسوغا لاجتياز اختبارات التعيين الإمبراطوري في المناصب العسكرية.
دائما ما يُعزى في أدبيات الفكر المعاصر إلى العلاقة المباشرة بين قفزات الصين الحديثة ونضالاتها في زمن صن تسو لأن هناك قيمة كبيرة مقدرة تستلهم من تعاليمه هو وغيره من الكتاب الصينيين التاريخيين، التي يُسترشد بها في تطوير استراتيجيات الدولة الصينية وقادتها، ومن اللافت أن مبادئ تسو الاستراتيجية انتقلت في العصر الحديث إلى مجال الأعمال، وعلى سبيل المثال لا الحصر كتاب مارك ر. ماكنيلي "صن تسو وفن الأعمال: 6 مبادئ استراتيجية للمديرين"، حيث يشرح أسلوب الحصول على حصة من السوق من دون التحريض على الانتقام التنافسي (اربح كل شيء من دون حرب)، وطريقة استغلال نقاط ضعف المنافس (تجنب القوة واهجم في مناطق الضعف)، ومنهج تعظيم قوة معلومات السوق لتحقيق التفوق (الخداع والمعرفة المسبقة)، كما يستلهم من صن تسو قيم سلامة الإعداد والسرية والسرعة.
أنتجت الصين عام 2008 مسلسلا تليفزيونيا دراميا تاريخيا بميزانية إنتاج ضخمة على 40 حلقة، عن قصة حياة صن تسو، وكان عنوانه "بنغ شنغ"، حاز مشاهدات عالية داخل الصين وخارجها عندما اشترته الشبكات التليفزيونية في دول العالم المختلفة، وفى فيلم "وول ستريت" الذي أخرجه أوليفر ستون عام 1989 يستعين بطل الفيلم في كثير من الأحيان بمقاطع من فن الحرب كمبادئ استرشادية لتقنياته التجارية، وأشار إليه أحد القادة في سلسلة أفلام حرب النجوم، وهذا على سبيل المثال من بعض الأعمال الفنية، مما يشي بتغلغل أفكاره.