لعل التعاطي الهادئ للإدارة الأميركية الحالية مع أزمات منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها سلوك إيران المزعزع لأمن واستقرار المنطقة يستدعي المقارنة مع رئيس أميركي آخر رحل عن عالمنا قبل أكثر من عامين.

وأعني هنا الرئيس جورج بوش الأب، وهنا قد يكون غريبا أن تكون مقارنة بايدن مع بوش الأب وليس مع سلفه ترامب، حيث يذهب معظم الباحثين والمحللين إلى مقارنة سياسات إدارة جو بايدن الخارجية بسياسات دونالد ترامب نظرا للتباين الواضح في الرؤية بين الإدارتين تجاه الكثير من ملفات السياسة الخارجية لا سيما في الملف الإيراني.

فقد كان من أبرز النجاحات التي حققتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مجال السياسة الخارجية، والتي تعنينا نحن بشكل مباشر في منطقة الشرق الأوسط، هو تبنيها منذ أيامها الأولى، رؤية شاملة ومغايرة لطبيعة الخطر الإيراني.

هذه الرؤية كانت مغايرة تماما لرؤية الإدارة الأميركية التي سبقتها برئاسة باراك أوباما، وجاءت مغايرة أيضا لرؤية الشركاء الأوروبيين، وكذلك يبدو أنها ستكون مغايرة لروية الإدارة الجديدة، ولعل منبع التغاير هنا هو النظر إلى طبيعة الخطر الإيراني نظرة أوسع كثيرا من موضوع الملف النووي، نظرة لا تحصر الخطر في شقه النووي فقط، ولكنها تضع في الحسبان جميع تجليات السلوك الإيراني العدائي في المنطقة كتدخله في شؤون دول المنطقة وتهديده لأمن الحلفاء التقليديين لواشنطن ودعمه لميليشيات مسلحة وجماعات إرهابية... الخ.

لذا سعت لصياغة مقاربة شاملة تتعامل مع المشروع الإيراني برمته وليس فقط مع تجلياته النووية، ولهذا لم تكتفِ واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي تحاول الإدارة الحالية إحيائه، لكنها اتبعت ذلك بخطوات أكثر أهمية، عناصر هذه المقاربة بدت كافية وجيدة إلى حد كبير لكن القدر ومزاج الناخب الأميركي لما يمهلا ترامب وإدارته لإكمال ما بدأه في تحجيم الخطر الإيراني برمته لا أحد تجلياته فقط.

هذا التباين في الرؤية وفي الأسلوب هو ما دفع الكثير من المحللين إلى المقارنة بين بايدن وترامب باعتبارهما متناقضين تماما في الأسلوب وإلى حد كبير في الرؤية.

وربما هذا ما دفعني إلى مقارنة بايدن مع رئيس أميركي أخر يتشابه معه في الأسلوب، الذي يبدو عليه ظاهريا الحكمة والتأني والهدوء والعقلانية، فمقارنة المتشابهين قد تكون أكثر عمقا ودلالة من مقارنة المتناقضين، لا سيما إذا كانت المقارنة في مواقف وأزمات متشابهة لكنها انعكست في سياسات متناقضة ونتائج مغايرة تماما، فكلا الرئيسين جورج بوش الأب وجو بايدن يغلب عليهما التعاطي الهادئ والرزين ورد الفعل المحسوب في التعامل مع الأزمات المشتعلة في العالم.

كما أن كلا الرجلين يأتي من حقل السياسة الخارجية وجل خبراتهما كانت في هذا المجال، وإذا كانت خبرة بايدن في هذا الحقل لا تحتاج للتذكير، فإن التذكير واجب بأن السياسة الخارجية كانت مجالا لخبرة جورج بوش المهنية الطويلة التي شملت عمله مندوبا لبلاده في الأمم المتحدة وسفيرا لها في الصين ومديرا لوكالة المخابرات المركزية ونائبا للرئيس رونالد ريغان لمدة 8 سنوات، وهذا ربما كان من بين الأسباب التي جعلت ميدان السياسة الخارجية محل إنجازه الرئيسي وسببا في تخليد اسمه بين رؤساء أميركا.

ففي عهده وقع أهم حدث في النصف الثاني من القرن العشرين وهو سقوط جدار برلين عام 1989 ثم انهيار الاتحاد السوفيتي رسميا عام 1991، وبينهما حدثت أعمق أزمة إقليمية تغير معها وجه الشرق الأوسط بأكمله والتي تمثلت في الغزو العراقي للكويت عام 1990، وفي الحدثين تعامل جورج بوش باحترافية شديدة وتعاطى معهما بحكمة استثنائية ساعدت العالم على عبور الأزمتين بالحد الأدنى من الأضرار.

فالحدث الأول كان تاريخيا ومثل نقطة تحول في السياسة العالمية وأنهى نظام القطبية الثنائية وأنهى معها حربا باردة استمرت نحو نصف قرن، وأنشأ نظاما دوليا جديدا أحادي القطبية، ومع ذلك تعاطى بوش مع هذا الانتصار التاريخي بتواضع ورقي وتعامل بمنطق أخلاقي يخلو من أي شماته في خصمه التاريخي اللدود، ولعل هذا ما تجلى في إصراره على إشراك جورباتشوف في رئاسة مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في أكتوبر 1991، رغم علمه أن الاتحاد السوفيتي يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه لم يرد أن يهين خصمه وأراد أن يظل منافسه في واجهة الصورة حتى يومه الأخير.

في الأزمة الأخرى التي تعنينا في المنطقة العربية أكثر مما تعني غيرنا وأكثر مما يعنينا غيرها، والتي دفعت إلى المقارنة بالرئيس الحالي، كان الإنجاز الأكبر لبوش الأب في مجال السياسة الخارجية، فإليه يعود الفضل الأكبر في تحرير الكويت في فبراير 1991، وهنا تجلت حكمته وتجلى عمق فهمه للسياقين الإقليمي والدولي للأزمة حين أصر على أن يكون تحرير الكويت تحت مظلة تحالف دولي وعربي وتحت غطاء الأمم المتحدة وقراراتها.

ورفض بوش الأب أن يكون التدخل العسكري لتحرير الكويت عملا أميركيا منفردا رغم سهولة ذلك، فوقتها لم يكن هناك منافس لأمريكا أو رادع لها أو معترض على سياساتها وهي المنتشية بنصر تاريخي وشيك، والأهم من ذلك أن بوش الأب أدرك بوعي شديد وبرؤية استراتيجية واضحة المعالم أن تجاوز حدود الكويت والدخول إلى العراق للإطاحة بصدام حسين رغم بشاعة ما ارتكبه لن تسفر سوى عن انهيار التوازنات الإقليمية القائمة وإحداث حالة من الفراغ لن تستفيد منها سوى طهران.

فوفقا لما ذكره وزير خارجيته جيمس بيكر كان بوش يعلم أن إزاحة صدام، مع ما تستوجبه من معارك، ستترك العراق ممزقا وضعيفا، وبالتالي سيتحول إلى لقمة سائغة أمام الجار الإيراني المتربص الذي سيسارع حكامه إلى نشر الأصولية الشيعية والتحكم في العراق، وإيجاد حربا طائفية شبيهة بما حدث في لبنان، وتهديد أمن واستقرار المنطقة، وبالتالي فالتشظي والتمزق هو مصير العراق لو تمت الإطاحة بصدام، كما أن احتمال انفراط عقد التحالف الذي شكلته أميركا وبالتالي فقدان الشرعية الدولية كان واردا.

وهو ما منع بوش من اتخاذ هذا القرار لأنه كان يعلم أن الوصول عسكريا إلى بغداد دون خطة واضحة سيعني في النهاية تسليم العراق على طبق من ذهب إلى إيران، لذا التزم بوش حرفيا بما تمليه قواعد القانون الدولي وتصرف في إدارة هذه الأزمة على أن التحالف الذي تقوده بلاده هو قوة تحرير لا قوة غزو، لذا يجب أن تقتصر مهمته على إعادة الكويت إلى شعبها وحكومتها دون أن تتعداها، مع تقييد الرئيس العراقي وشل قدرته على الحركة دون التدخل لإطاحته، الأمر الذي تبلور في فرض منطقتي الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه.

لذا فإن يوم الثلاثين من نوفمبر  2018 لم يشهد فقط تغييب الموت لشخصية نبيلة في مخيلة الأميركيين، ولا زعيما حقيقيا، ولا أحد أبطال الحرب العالمية الثانية، ولا بطل الحرب الباردة ومنهيها والمنتصر فيها، لكنه غَيب أيضا حقبة غابرة من التحضر في السياسات الأميركية، حقبة لم يكن فيها الهدوء والحكمة في التعاطي مع الأزمات المشتعلة والتحديات التي تواجه أمريكا والمخاوف التي تعتري حلفائها يعني التهاون وعدم الحسم في مواجهتها، فأن تكون حكيما لا يعني أن تكون متراخيا.