قبل أيام قليلة أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام الندوة التثقيفية الثالثة والثلاثون للقوات المسلحة أن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة يمثل إعلان جمهورية جديدة وميلاد دولة مصرية جديدة.

هذا الإعلان أطلق العنان لموجة جديدة أيضا وغير مسبوقة بين المصريين من التفاؤل والتفكير في المستقبل وتوقع وتمني شكل هذه الدولة الجديدة والعصرية التي تنتظرهم، والتي بشّر بها رئيسهم، وشروط نجاحها وانطلاقها، وتمايزها واختلافها، وإمكانية انضمامها لركب الدول الكبرى المتقدمة، وكذلك التحديات التي يمكن أن تواجهها.

وفور انتهاء كلمة الرئيس المصري، انطلقت حالة من النقاش الفكري بين المعنيين بالشأن العام في مصر حول شكل دولتهم الجديدة المنتظرة التي سعى الرئيس السيسي إلى وضع أسسها وركائزها منذ توليه السلطة في عام 2014 عبر مدن جديدة وذكية تجاوز عددها الـ12، ومشروعات عملاقة وعمليات تطوير نوعية وصلت لكل بقعة في القطر المصري بكل مدنه وقراه وريفه وحضره، واستثمارات ضخمة في مجالات التعليم والصحة وكل ما يتعلق بحياة المواطن، وذلك رغم صعوبة وتعدد التحديات التي عاشتها مصر منذ ذلك العام وما قبله.

بالتأكيد هناك شروط ومتطلبات لهذه الجمهورية الثانية إذا أردنا لها أن تتمايز وتختلف عن سابقتها، لذا فإن المسألة تتجاوز فكرة الانتقال إلى عاصمة جديدة أو بناء مدن جديدة أو تحديث البنية التحتية أو إقامة مشروعات عملاقة، فكل هذا (الجديد) يمكن أن يصبح بعد سنوات قليلة (قديما) ومتهالكا إذا لم يكن هناك إنسان يحفظه ويحافظ عليه، إنسان يطوره وينميه ويبني عليه، فالإنسان هو جوهر كل جديد، وسلوكياته هي سبب كل تقدم أو تأخر، فالجمهورية الجديدة لن تختلف عما كانت عليه الجمهورية القديمة بمجرد الانتقال المكاني وإنما بالانتقال الحضاري، فنحن في الحقيقة في حاجة إلى نقلة أو ثورة حضارية طال انتظارها، ثورة موضوعها المواطن المصري وسلوكياته، فالأمر يتجاوز المنشآت والمباني، والطرق والجسور، والمشروعات القومية العملاقة، فكل هذه المقومات الضرورية واللازمة لحياة كريمة ومختلفة تاق شوق المصريين إليها لن تستقيم ولن تستمر ولن تؤتي أكلها إلا في بيئة تسودها سلوكيات حضارية راقية تحترم النظام والقانون، تحمي الممتلكات والمكتسبات العامة وتحافظ عليها، تحترم قيمة العمل وتعتبره عبادة لا تقل قدسية عن بقية العبادات، تحافظ على النظافة وتعتبرها فرض عين لا رفاهية.

نحتاج في الحقيقة إلى إنسان مصري جديد يكوّن قوام هذه الجمهورية الجديدة، وهذا سيكون نتاج عمل طويل وشاق وجهد مدروس تشارك فيه كل مؤسسات الدولة ومثقفيها ومجتمعها المدني لدراسة متطلبات بناء الإنسان المصري الجديد وما يجب أن يتغير في سلوكياته وعاداته وثقافته السياسية.

والنقطة المحورية هنا أن المسؤولية الأكبر في تغيير السلوكيات التي أهدرت جهود الدولة في التنمية لسنوات طويلة يقع على الدولة ذاتها وعلى أجهزتها ومؤسساتها، فالدولة لو انتظرت من المواطن أن يغير من سلوكياته السلبية طوعا عليها أن تتوقع الانتظار طويلا.

وهنا فإن التعويل على حملات إعلامية لحث المواطنين على تغيير سلوكياتهم التي تلتهم نتاج عملية التنمية قد لا تجدي نفعا، فالنفس البشرية دائما ما تنزع للفوضى طالما غاب الرادع.

لذا فإن سيف القانون هو الأمضى في محاربة كافة أنواع السلوكيات الضارة والمضرة التي ننتظر اختفاءها في الجمهورية الجديدة، فالجمهورية الجديدة يجب أن يميزها عما سبقتها شارع منضبط بسلوكيات منضبطة في كافة مجالات الحياة اليومية.

وعلى سبيل المثال، فإن عشرات الطرق والجسور الجديدة ومشروعات النقل العملاقة لن تحل الفوضى والاختناقات المرورية في مصر إلا إذا واكبها نظام مروري حازم وصارم يطبق فيه القانون بكل حزم وحسم ضد كل من تسول له نفسه بانتهاك حرمة الطريق.

فالتهاون في تنفيذ القانون وترك الناس لأهوائهم وضمائرهم هو ما أوصلنا إلى هذه الحالة التي أوصلتنا إلى أن الجهورية الجديدة هي الحل الوحيد، لذا فإن الدولة المصرية الجديدة هنا مدعوة إلى امتلاك إرادة سياسية لتغيير سلوكيات المصريين عبر إنفاذ القانون ولا شيء سواه.

نحن لسنا بحاجة إلى قوانين جديدة، فلدينا ترسانة كبيرة من القوانين تكفي كل صغيرة وكبيرة وتغطي كل شاردة وواردة، نحتاج فقط إلى إرادة لإنفاذ هذه القوانين لتنظيم أوجه حياتنا اليومية دون تعسف أو استثناء، نحتاج أن يكون القانون هو الفيصل بين المواطن والدولة، وبين المواطنين أنفسهم في حالة الاختلاف أو تضارب المصالح.

باختصار يجب أن يكون القانون هو سيد الجمهورية الجديدة إذا ما أريد لها أن تكون مختلفة عن سابقتها لا إعادة إنتاج لها.