في الجزء الثاني من هذا المقال أشرنا إلى أن الإمارات تبنت استراتيجية شاملة لمواجهة الجوانب المتعددة للظاهرة الإرهابية عبر ثلاث محاور أساسية، أولها هو المحور الديني والثقافي والإعلامي والذي تناولناه تفصيلا في المقال السابق، وثانيها هو المحور القانوني والتشريعي، وثالثها المحور الأمني، وهما موضوع الجزء الأخير من هذا المقال.

المحور القانوني والتشريعي

وفي المحور القانوني والتشريعي عملت الإمارات على صياغة منظومة تشريعية كاملة تعالج كافة أوجه الظاهرة الإرهابية وسد كافة الثغرات التي يمكن أن تنفذ من خلالها، وهنا يمكن الإشارة إلى ثلاثة أمثلة:

القانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2014 في شأن مكافحة الجرائم الإرهابية، والذي تضمن عقوبات مشددة على الأفعال والجنايات التي ترتكب لغرض إرهابي.

وحدد القانون الغرض الإرهابي بأنه اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب فعل أو الامتناع عن فعل بشكل غير قانوني، وذلك بقصد إحداث نتيجة إرهابية مباشرة أو غير مباشرة أو علم الجاني بأن من شأن الفعل أو الامتناع عن الفعل، تحقيق نتيجة إرهابية.

وأوردت المادة 48 من القانون بأنه يمكن للمحكمة أن تخضع المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة إرهابية لبرنامج للمناصحة، يشرف عليه أحد مراكز المناصحة وينفذ في المنشأة العقابية التي يقضي فيها المحكوم عليه مدة عقوبته.

القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والذي يجرم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة كافة أشكال التمييز ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير.

ويحظر القانون التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل الإثني.

ويتعرض كل من ارتكب فعلا من الأفعال المنصوص عليها في القانون لعقوبات تشمل الغرامة والسجن أو إحداهما.

قانون "مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة"، وفي جهود مكافحة تمويل الأنشطة الإرهابية وتجفيف منابعها قدمت الإمارات مثالا يحتذى، وكان محل إشادة دولية وذلك بإصدارها في أكتوبر 2018 قانون "مواجهة جرائم غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة"، الذي يعد بمثابة نقلة نوعية في مسار العمل التشريعي والقانوني لمكافحة تمويل الإرهاب وتجفيف منابعه، وأثبتت من خلاله الإمارات جدية سعيها لجعل قوانينها تتماشى مع المعايير الدولية ذات الصلة بمكافحة تدفق الأموال غير المشروعة، فالقانون الجديد صدر مواكبا لمتطلبات وتوصيات مجموعة العمل المالي الدولية "FATF"،  وهي المنظمة الدولية التي تضع معايير دولية لمكافحة التمويل غير المشروع.

وأنشأ القانون لجنة برئاسة محافظ المصرف المركزي تحت مسمى "اللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة" ويصدر بتشكيلها قرار من وزير المالية، وتختص بـ"وضع وتطوير استراتيجية وطنية لمكافحة الجريمة، واقتراح الأنظمة والإجراءات والسياسات ذات الصلة بالتنسيق مع الجهات المعنية، ومتابعة تنفيذها، وتحديد وتقييم مخاطر الجريمة على المستوى الوطني، وتوجيه الجهات الرقابية بالتحقق من التزام المنشآت المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة والجمعيات غير الهادفة للربح الخاضعة لإشرافها بتطبيق التدابير الواجب اتخاذها، وتسهيل تبادل المعلومات، والتنسيق بين الجهات الممثلة فيها". وستعمل اللجنة أيضاً على "تقييم فاعلية نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة، وتمثيل الدولة في المحافل الدولية المتعلقة بمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب".

 وقد سبق صدور هذا القانون الاتحادي قيام العديد من الجهات الإماراتية المعنية بتحديث أنظمة قواعدها المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومن بينها مركز دبي العالمي الذي أجرى تحديثا لقواعده ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وذلك . ضمن برمجة مؤسسية في جهود تحديث البنية التنظيمية المالية، وشملت أيضا تشريعا جديدا يحكم عمل مصرف الإمارات المركزي ونشاط المؤسسات المالية، الأمر الذي يعكس نهجا مؤسسيا لتحديث القوانين المحلية وضمان مواءمتها للمعايير الدولية في مجال مكافحة الإرهاب.

المحور الأمني

وفي سبل المواجهة الأمنية استغلت الإمارات كافة المنابر الدولية للتأكيد على أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الفاعل على المستوى الدولي، بما في ذلك تطوير شراكات دولية واسعة ووثيقة ترمي إلى مكافحة الخطاب الإرهابي، وتعزيز تبادل المعلومات والمشاركة الأفضل للممارسات المعمول بها بين الدول لتحسين جهود المكافحة، كما تترأس الإمارات بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مجموعة العمل المعنية بالتواصل الاستراتيجي التابعة للتحالف ضد "داعش"، لذا أشاد التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية الصادر في أبريل 2017 بالجهود الإماراتية في مكافحة الإرهاب، وتعاونها البناء مع المجتمع الدولي في هذا الصدد، وكذلك أشاد بجهود الإمارات في دعم التحالف الدولي ضد "داعش" ودور القوات المسلحة الإماراتية في هزيمة التنظيمات الإرهابية باليمن، وأفاد  التقرير بأن دولة الإمارات العربية المتحدة عززت الملاحقات القضائية لمكافحة الإرهاب في عام 2016. وفي تحرك منسق وسريع إزاء المخاطر والتهديدات الإرهابية التي تنطلق من الفضاء الإلكتروني استضافت الإمارات في مايو 2017 المؤتمر الدولي لتجريم الإرهاب الإلكتروني، الذي صدر عنه "إعلان أبوظبي حول تجريم الإرهاب الإلكتروني".

و لا يخلوا أي وقت من استضافة الإمارات لمسؤولين دوليين على علاقة بملف التطرف الإرهاب، مثل استقبال وزيري داخلية وخارجية الإمارات في لقاءين منفصلين وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في سبتمبر الماضي، لبحث تعزيز الجهد الدولي في مكافحة الإرهاب، أو مشاركة مسؤولين إماراتيين بارزين في اجتماعات دولية معنية بالبحث عن حلول لهذه الظاهرة، مثل مشاركة رئيس اللجنة الوطنية الإماراتية لمكافحة الإرهاب في المؤتمر رفيع المستوى، والذي عقدته الأمم المتحدة في يونيو الماضي لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب بالدول الأعضاء. وهنا تجدر الإشارة إلى أن  الإمارات أعلنت في ديسمبر 2017عن تقديم مساهمة بقيمة 30 مليون يورو لدعم القوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي لمحاربة ومكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، وهي المساهمة التي وصفها "جيفري فلتمان" وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المعني بالشؤون السياسية بأنها "جاءت في مرحلة حاسمة في سياق مبادرة أمين عام الأمم المتحدة لإصلاح هيكل المنظمة لمكافحة الإرهاب، وأنها ستعزز قدرة مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب على دعم الدول الأعضاء في جهودها الرامية إلى منع التطرف العنيف ومكافحة الإرهاب اللذين أصبحا تحديين رئيسيين للسلم والأمن الدوليين".

وإجمالا يمكن القول إن أهم ما يميز التجربة الإماراتية في مكافحة التطرف والإرهاب عن غيرها هو قيامها على رؤية استباقية وتبنيها مقاربات غير تقليدية تعتمد على شمول المواجهة وديمومتها واستمراريتها عبر منهجية علاج ذات ركائز متنوعة تشمل كافة الجوانب الدينية والفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية والأمنية والسيكولوجية والاجتماعية والتربوية.