عقدان أو ما يزيد عليهما بقليل، هي الفترة التي احتاجتها الولايات المتحدة الأميركية لتستأنف الحضور القوي في إفريقيا، وذلك بعدما اتضحت رؤيتها الإستراتيجية للتعاطي مع هذا الفضاء.

ولطالما رأت واشنطن في إفريقيا منذ بداية الحرب الباردة منطقة نفوذ تقليدي أوروبي-فرنسي، ليبلغ الأمر مداه مع ذروة صعود المغرب كقوة إقليمية عظمى في إفريقيا، وهو البلد الذي انتعشت سياسته الخارجية تُجاه إفريقيا خلال العقدين الماضيين، لتبلغ الاستثماراتُ المغربية المباشرة في القارة السمراء أكثر من 60 في المائة من حجم استثمارات المغرب الخارجية بين الأعوام 2003 و2017، بما يفوق 3.8 مليار دولار.ومن المتوقع أن يمضي هذا الحضور المغربي صوب المزيد من الزخم مع المزيد من التطبيق الفعلي لاتفاقية التبادل الحر القارية "زليكا" الموقعة خلال شهر مارس من العام 2018، ليبلغ التبادل التجاري المغربي مع الدول الإفريقية أكثر من 16 في المائة، لاسيما أن الاتفاقية تهدف إلى تقوية حركة المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية، عبر آلية الإعفاءات الجمركية، وما سينجم عنها من تيسير حركة الأموال والبضائع، بما يعبد الطريق نحو السوق الإفريقية المشتركة.

دبلوماسية اقتصادية انتهجها المغرب خلال عقدين، عززت صورته دوليا كفاعل اقتصادي يحظى بريادة إفريقية، وتؤهله عناصر قوته المتمثلة أساسا في استقراره الأمني وبنيته القانونية الاستثمارية المرنة والفعالة، إضافة إلى موقعه الإستراتيجي الذي يجعله نقطة التقاء الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، ويؤهله بقوة ليكون جسر التشبيك المتوسطي الأطلسي. وهو ما التقطته الولايات المتحدة الأميركية لتعلن خلال اليومين الماضيين صراحة عن اعتزامها افتتاح قنصلية لها في مدينة الداخلة المغربية، تتولى القيام بمهام اقتصادية، إلى جانب اعترافها الرسمي بالسيادة المغربية على الصحراء.

ويقف خلف هذا القرار الأمريكي تاريخ طويل من التعاطي المختلف الإيقاعات مع إفريقيا، فمنذ نهاية الحرب الباردة بدأت بلاد العم سام تتطلع صوب القارة السمراء، وفي العام 1998 سيقوم "ستيوارت أيزنستات" وزير الخزانة الأميركية في عهد الرئيس بيل كلينتون، بصياغة مشروع سيحمل اسمه، وسيطوف به عواصم المغرب العربي للتعبير عن رؤية البلاد للشراكة الإستراتيجية مع هذه البلدان، وهو التقرير الذي من رحمه سيخرج التصور الأميركي عن التبادل الحر في المنطقة، وكذا فكرة إنشاء قوات الأفريكوم العسكرية في شمال إفريقيا، زيادة على اشتماله على بذور منظومة "MENA" القاضية بتميز منطقة شمال إفريقيا عن منطقة الشرق الأوسط، إنْ من حيث الأهمية الإستراتيجية كبوابة نحو إفريقيا، أو من حيث القضايا الرئيسية الطاغية في السياق الشرق الأوسطي، وهو ما يجعل شمال إفريقيا وفق هذا المنظور ليس مجرد منطقة ملحقة بالشرق الأوسط.

ولتصبح هذه الرؤية ممتلكة للمشروعية السياسية، وذات صبغة إستراتيجية، فقد كلفت إدارة أوباما فريقا مكونا من خبراء بالشأن الإفريقي، من كلا الحزبين، لتصوغ تقريرا في غاية الأهمية صدر في بداية العام 2009، وحمل عنوان "مشروع ورقة عن سياستـنا في شمال إفريقيا"، أشرف عليه كل من ستيوارت أيزنستات، ووليام زارتمان؛ رئيس المعهد الأميركي للدراسات المغاربية، إضافة إلى الجنرال ويسلي كلارك؛ قائد قوات الناتو سابقا. وهو ما يجعل هذا التقرير يرقى ليكون رؤية أميركية للمنطقة شبيهة بما جاء في تقرير لجنة دراسة العراق الذي أشرف عليه جميس بيكر ولي هاملتون، في نهاية العام 2006، وهو ما يعطي للخطوة الأميركية المتمثلة في الاعتراف بمغربية الصحراء بعدا في الزمان، لاسيما أن ذلك التقرير كان قد دعا إلى دعم مشروع الحكم الذاتي، باعتباره الحل الواقعي والأمثل للنزاع حول الصحراء، ولكون حل هذا المشكل في ظل السيادة المغربية هو صمام الأمان للشراكة الإستراتيجية الأميركية الشمال إفريقية.

ومنذ ذلك الوقت، عمل المغرب على تهيئة الأجواء ليكون هو القاطرة التي ستقود الشراكة الأميركية الإفريقية، معتمدا نهجا دبلوماسيا راقيا لتأكيد وحدته الترابية، ومطلقا مشروعا طموحا للجهوية الموسعة، سيكون هو الإطار المؤسساتي للحكم الذاتي، وهو ما جعل منطقة الصحراء المغربية مدارا إستراتيجيا إفريقيا، كما تعبر عن ذلك العديد من الوثائق والخطب الملكية، ولتتكرس الداخلة كمدينة تشكل ثقلا اقتصاديا قاريا ودوليا، لاسيما بعدما أعلن العاهل المغربي في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الماضي عن انطلاق تشييد ميناء الداخلة الأطلسي، الذي سيوازي من حيث الأهمية ميناء طنجة المتوسطي، ويكرس التحول نحو منظومة الاقتصاد البحري، وهو ما تزامن أيضا مع التأمين الكامل لمعبر الكركرات الحدودي بين المغرب وموريتانيا.

ولهذا السبب باتت مدينة الداخلة في أقصى الجنوب المغربي هي الأكثر حظوة من حيث افتتاح قنصليات الدول المعبرة عن دعمها لمغربية الصحراء، ذلك أن الأمر، وكما يعكس نجاحا للدبلوماسية المغربية على صعيد إقناع المجموعة الدولية بعدالة قضيته، فإنه يحمل في طياته تفعيل المنظور الإستراتيجي المغربي للقرن الإفريقي الجديد، لتكون الصحراء المغربية في آن واحد بوابة للمغرب نحو إفريقيا، وبوابة للشراكة العالمية نحوها، باعتبار الريادة المغربية المحمولة على أكتاف الدبلوماسية المغربية الماضية في اتجاه تحقيق المزيد من المكتسبات لصالح المغرب وشعوب المنطقة والسلام والتعاون العالميين.