لا مِرْيةَ في أنّ المسألةَ الأساس في أيّ دولة هي مسألة السّلطة فيها؛ فهي (= السّلطة) بالنّسبة إلى الدّولة كالصّورة بالنّسبة إلى المادّة: إنْ جازتْ استعارةُ المفهوميْن الأرسطيّين هذين.

نعم، هي صورتُها لأنّها هي التي تُطْلِعنا على مكامن القوّة والضَّعف في أيّ دولة، وهي التّي تقرّر في الكثير من أحوال الاستقرار أو الاضطراب التي تعتريها. وما مركزيّةُ السّلطة في الدّولة إلاّ لأنّ الأخيرة لا تُنْجز وظائفَها وأدوارها إلاّ من طريق السّلطة؛ أي من طريق نظامٍ كاملٍ من الآليات والطرائق التي يحصُل بها فعْلُ الدّولة بما هي تجسيدٌ لكيان الجماعة والأمّة.

افترضَ قيامُ الدّولة الحديثة، قبل قرون ثلاثة، هندسةً سياسيّة ودستوريّة جديدة للسّلطة على نحوٍ يتواءم فيه نظامُ اشتغالها بنظام الدّولة الوطنيّة الحديث. والأمر، هنا، في غاية البداهة: ليستِ الدّولةُ الوطنيّة هذه حديثةً إلاّ لأنّ سلطتَها حديثة، وإلاّ فإنّ الدّولة - بما هي كذلك- عريقة الوجود في التّاريخ، ما توقَّف قيامُها على ميلاد نمطٍ جديد من السّلطة. هكذا جاز أن يُقال إنّ الدّولة نجحت في الصيرورة دولةً حديثة حين نجحت في هندسةِ نظامٍ للسّلطة فيها حديثٍ.

يختلف نظام السّلطة في الدّولة الحديثة عن نظامها في الدّولة التّقليديّة اختلافاً بنيويّاً، أي اختلافاً في بنية العلاقة التّي تكوِّنُها كسلطة. تميّزتِ السّلطة، في الدّولة قبل- الحديثة، بكونها متمركزة الكيان تدور وجُوهُها جميعُها في بؤرةٍ واحدة تتجمَّع فيها الوجوهُ/ الفعاليّات تلك وتتركّز. كان للسّلطة، حينها، معنًى واحد: الحيازة الشّاملة لوجوه التّدبير والاختصاص كافّة وتجسُّدها في شخص الحاكم. لم تكُن الحال تلك خاصّةً بنموذج دولة الخلافة في الإسلام؛ حيث تجتمع سلطات الإمامة الدينيّة والقيادة السّياسيّة، وسلطات التّشريع والتّنفيذ والقضاء في يد الخليفة: الذي يُديرها مباشرةً أو من طريق التّفويض، وإنّما تلك كانت، أيضاً، حال السّلطة في الدّول الأوروبيّة في العهود الوُسطى؛ سواء في طبعتها التّيوقراطيّة البابويّة أو في طبعتها المَلكيّة المطلقة، بل هي كانت، هنا، أشدَّ مركزيّةً والتّصرُّف فيها أشدّ ميْلاً إلى الاحتكار ممّا كانتْه حالتُها في التّجربة السّياسيّة الإسلاميّة.

أمْيَزُ ما ميَّز السّلطة في الدّولة الحديثة وصَنَع، بالتّالي، نموذج الدّولة الوطنيّة هو التّوزيع الذي خضعت له جغرافيّاً تلك السّلطة تلك، فانتهى إلى الفصل بين مستوياتها الثّلاث: التّشريعيّ والتّنفيذيّ والقضائيّ. ولم تكن جِدَّةُ هذه الهندسة السّياسيّة والدّستوريّة في المُمَايَزة بين السّلطات الثّلاث؛ فالتّمييز بينها - وبين اختصاصاتها- كان معروفاً ومألوفاً منذ العهد السّياسيّ الإغريقيّ والرّومانيّ، وإنّما مكْمَن الجِدّة في الفَصْل بينها وعدمِ الجمْع. إنّ الفصل هذا هو ما جَعَل السّلطة موزَّعة على نصابات مختلفة، ومَنَعَ من احتكارها من قِبَل هيئةٍ في الدّولة واحدة و، بالتّالي، أطلق في كيان الدّولة - وفي السّياسة- ديناميّات جديدة لم تكن معروفة.

لم تتوقّف نتائجُ توزيعِ السّلطة والفصْلِ بين السّلطات عند حدود إخراج السّلطة من مرْكزٍ واحدٍ بعينه وحمايتها، بالتّالي، من الاحتكار الذي يُتَأَدّى إليه من طريق مرْكَزتها، وإنّما هي مسَّت مجال السّياسة برمّته؛ هذا الذي أُعيدَ إنتاجُه على نحْوٍ جديد من طريق إدخال الاجتماعيّ (= المجتمع) كشريكٍ أصيلٍ فيه. وكان لذلك أبلغ الآثار في إعادة تعريف معنى الدّولة ومعنى السّلطة على السّواء؛ لم تَعُدِ الدّولة كياناً يملك سلطةً في مقابل مجتمعٍ تقع عليه تلك السّلطة، بل أصبحتِ الدّولة والمجتمع شريكيْن معاً في إدارة السّلطة، ومراقبتها ومساءلتها، فكفّت لذلك عن أن تكون برّانيّة (على الأقلّ بالنّسبة إلى المجتمع). هكذا كان نموذج الدّولة الوطنيّة- بعقْلنته السّلطة- يقترب، شيئا فشيئاً، من نموذج إدارة المجتمع الذّاتيّة لنفسه.

هل انتهى نظامُ الدّولة القديم، ونمطُ السّلطة المرتبط به، وزال من الوجود في امتداد هيمنة نظام الدّولة الحديث والهندسة السّياسيّة والدّستوريّة لسلطته؟

لا، لم ينْتَه وقد لا ينتهي سريعاً؛ مازال النّظام القديم حيّاً يُرْزَق لأنّ نموذج السّلطة التّقليديّ لم يبْرح مكانه. ما زالتِ السّلطة مُلكيّة خاصّة لفريقٍ واحدٍ أو هيئةٍ واحدة في المجتمع، نخبة عسكريّة أو طائفة أو مذهب أو حزبٍ واحد؛ وما زال صاحبُ السّلطة التّنفيذيّة مشرِّعاً وقاضياً؛ وما زال القضاء خاضعاً للسّلطة التّنفيذيّة؛ وما زال القسمُ الأعظم من المجتمع خارج ميدان السّياسة... إلخ. لم يمنع انتصار نموذج الدّولة الوطنيّة الحديثة: دولة القانون والمؤسّسات والفصل بين السُّلط، من قيام نقائضه (النّازيّة، والفاشيّة، والكُلاّنيّة، والدّيكتاتوريّة، والطّغيانيّة، والعسكرتاريّة، والأوليغارشيّة...) ومن استمرارها في التّاريخ. وتلك لعمري مأساةٌ من مآسي السّياسة، وتحدّ كبير للإرادة البشريّة.