كيف يجب أن نتناول مفهوم العمق الإسلامي ببعديه الإسلامي والعربي، وهل تمثل قمة كوالالمبور مدخلا بحثيا أو مادة رأي للتحليل دون تولد الإحساس بجلد الذات لدى البعض؟.

علينا توخي الموضوعية في تحديد أدوات قياس يمكن الاتفاق حولها، دون أن أطمع في الإجماع.

أولى هذه الأدوات هو تقدير مفهوم العمق بجانبيه البشري والتأثيري، وكان التضامن الإسلامي العنوان الرئيسي الذي اختاره المؤتمرون (حتى من انسحب منهم)، فأين كان ذلك التضامن قياسا بمخرجات الفعالية: فلسطين، والعقوبات الاقتصادية على إيران، والمقاطعة السياسية لقطر؟.

كانت رسالة المؤتمرين الرئيسية: "نحن أصحاب العمق البشري عدديا"، أي قرابة الـ600 مليون مسلم، لكن فات على مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، أن السياسة "فعل يصنع الثقل" وليس العكس، والانسحابات التي أفشلت القمة هي أبلغ برهان على ذلك.

ويجرنا ذلك لسؤال آخر هو "هل نحن اليوم في حاجة لاختزال هويتنا السياسية في جزئيتها الإسلامية فقط، في حين يعتمد العالم منهجية التسامح الإنساني؟".

يجب إخراج الثقل "الجيوسياسي" أو "الجيو- استراتيجي" من المعادلة الروحية، رغم صعوبة ذلك عموما، إلا أن الأولى هو البدء في الفصل بين المؤسسات ذات العلاقة بهذه المعادلة وبين عوامل السياسة، لتبقى محافظة على إطارها الإنساني في كافة الأحوال.

وللاستزادة في قراءة ردات الفعل بعد فشل قمة كوالالمبور، علينا مراجعة حجم محاولات الاحتواء الهاتفي لتبعاتها، وغيرها من الأساليب عبر قنوات أخرى، وصولا إلى جولات سياسية - هي أقرب للتعبير عن الحالة العصبية - للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى كل من ليبيا وتونس.

إن المبادئ التي اعتمدها المؤتمرون "افتراضا" هي وضع آليات لتقاسم العالم الإسلامي ضمن ثلاثة محاور ذات اتصال جغرافي مباشر أو متقارب، انطلاقا من قراءتهم المتعثرة للتاريخ الاجتماعي، كما أنه علينا تناول وجود أكثر من طرف ممول أو ضامن سياسي لتلك القمة.

كل ما سبق يستلزم التعاطي معه بواقعية وشفافية عالية، فليس كل عالمنا الإسلامي صديق لنا، ولا دليل أبلغ من النوايا والممارسات العدوانية الإيرانية- التركية تجاه المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

أما بخصوص عالمنا العربي، فالأمثلة عديدة ومتكررة، أوضح أنواعها طلب الدعم المالي من السعودية من دول فاشلة تصر على تنصيب حكومات بهوى إيراني.

هل يجب أن نواصل جلد الذات أو الاعتذار لأننا دول نفطية، في حين يتناسى هؤلاء ما قدمه النفط لهم ولنا؟ وهل يجب أن نستمر في دعم نماذج سياسية فاشلة ومتآمرة علينا فقط لأنها دول إسلامية أو عربية؟

لدينا مؤسساتنا القادرة على إنفاذ آليات التكافل والتعاضد الإسلامي على أسس إنسانية، وهي الأقدر الآن على الوصول بشكل مباشر لهذه الشعوب تنمويا وإنسانيا، وكذلك هو الحال بالنسبة للملفات العربية.

ويجب اشتراط التعامل مع مؤسسات ذات أهلية وتخضع لآليات الحوكمة الحديثة، وسيعطي تطبيق هذه الاشتراطات مؤسساتنا السياسية الفضاء اللازم للتعاطي مع الأزمات وإدارة العلاقات الطبيعية بين الدول، خارج أطر العلاقات التقليدية في زمن وتحديات غير تقليدية.