تحولت بلدة قصرة جنوبي نابلس إلى بؤرة لتصعيد ميداني وسياسي جديد في الضفة الغربية، بعدما حاصر مستوطنون منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء، مما دفع الولايات المتحدة وفرنسا إلى مطالبة الحكومة الإسرائيلية بالتحرك، وسط استمرار اعتداءات تستهدف السكان والأراضي ومصادر المياه.

ويأتي التصعيد بينما شددت القوات الإسرائيلية إجراءاتها في القدس، حيث أدى نحو 70 ألف مصل صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وفق مصادر فلسطينية، رغم القيود والحواجز المنتشرة في محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد.

بدأت الأزمة في قصرة عندما أغلق مستوطنون الطريق المؤدي إلى ثلاثة منازل فلسطينية وأقاموا خيمة في ساحاتها، قبل أن يمنعوا السكان من الدخول والخروج ويقطعوا إمدادات المياه والكهرباء.

وقالت الأمم المتحدة إن نحو 15 فلسطينيا، بينهم طفلان، ظلوا محاصرين داخل المنازل، فيما أكد سكان أن الهدف من التحركات هو دفعهم إلى الرحيل والاستيلاء على أراضيهم.

وقالت عائشة حسن، التي تقيم في أحد المنازل المحاصرة، إن المستوطنين ظلوا موجودين حول منزلها بعد ستة أيام من بدء الحصار، مشيرة إلى أن أفراد أسرتها يعيشون في خوف ولا يستطيعون مغادرة المكان.

وأظهرت مقاطع مصورة مستوطنين يقفون قرب خيمة أقيمت أمام المنازل، بينما ظهر أحدهم وهو يرشق القرية بالحجارة. كما أظهرت مشاهد أخرى رجالا يرتدون الزي العسكري الإسرائيلي وهم يصلون مع المستوطنين داخل الخيمة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقا إرسال قوات إلى قصرة وإزالة الخيمة، مؤكدا أنه فتح تحقيقا لاتخاذ إجراءات تأديبية بحق أي جندي شارك في أنشطة المستوطنين.

لكن جماعات حقوقية تقول إن ما يحدث لا يمثل واقعة منفصلة، بل يندرج ضمن مساعٍ لفرض السيطرة على الأراضي الواقعة بين قصرة وبلدة جالود المجاورة، وربطها بالبؤر الاستيطانية والمستوطنات الأكبر في المنطقة.

ضغط أميركي على نتنياهو

أفاد مسؤولان أميركي وإسرائيلي بأن البيت الأبيض يضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإدانة حصار المنازل علنا، بعدما تبين أن أحدها يعود إلى فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية.

وجاء التحرك بعد موقف غير مسبوق من السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعروف بتأييده للمستوطنات، إذ وصف المشاركين في حصار أحد المنازل بأنهم "إرهابيون إسرائيليون".

ولم يصدر نتنياهو حتى الآن إدانة علنية للحادث، في ظل حساسية الملف سياسيا قبل الانتخابات الإسرائيلية، واعتماد أطراف في ائتلافه اليميني على أصوات المستوطنين.

وقد يمثل أي موقف صارم ضدهم مشكلة داخل الائتلاف، لكن استمرار الصمت يضع نتنياهو في مواجهة انتقادات أميركية مباشرة، تتجاوز المطالبة العامة بضبط العنف إلى الضغط من أجل إدانة واقعة محددة ومحاسبة مرتكبيها. 

من جانبها، أدانت فرنسا "بأشد العبارات" احتلال المستوطنين عدة منازل فلسطينية في قصرة وأعمال العنف ضد المدنيين، وطالبت السلطات الإسرائيلية بتوقيف المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة.

وجددت باريس مطالبتها بحماية السكان الفلسطينيين، معتبرة أن التوسع الاستيطاني يفاقم التوترات ويهدد حل الدولتين.

الاعتداءات تصل إلى مصادر المياه

يتجاوز التصعيد المنازل والحقول إلى الموارد الأساسية. ففي قرية فصايل بالأغوار، أفاد تقرير لرويترز بأن مستوطنين حولوا مياه نبع يستخدمه الفلسطينيون إلى بركة سياحية تخدم زوارا إسرائيليين.

وتشير بيانات أممية إلى تسجيل أكثر من 160 اعتداء مرتبطا بالمياه نفذه مستوطنون خلال عام 2026، بينما يقول سكان محليون إن السيطرة على الينابيع تستخدم لإجبار التجمعات الفلسطينية على الرحيل. 

ويتزامن ذلك مع توجيه وزير الدفاع الإسرائيلي الجيش للاستعداد لنقل بعض صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة إلى الشرطة. ورأى محللون أن الخطوة قد تعزز دمج المستوطنات بالنظام المدني الإسرائيلي، بينما بررتها السلطات بالزيادة المتوقعة في أعداد المستوطنين. فايننشال تايمز

وفي القدس، توافد عشرات الآلاف إلى المسجد الأقصى رغم تعزيز القوات الإسرائيلية وجودها عند الأبواب وفي البلدة القديمة. وقالت وكالة "وفا" إن القيود الإسرائيلية لا تزال تحول دون وصول قطاعات واسعة من سكان الضفة وغزة إلى المسجد.

وبذلك تبدو قصرة نموذجا لمشهد أوسع: مستوطنون يفرضون وقائع بالقوة، وسكان يقاومون الإخلاء والحصار، وضغوط دولية تتصاعد، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في منع الاعتداءات وإعادة الحقوق ومحاسبة المسؤولين عنها.

مسيحيو فلسطين ينزحون هربا من اعتداءات المستوطنين

أخبار ذات صلة

المستوطنون الإسرائيليون يستولون على عيون المياه الفلسطينية