بين حديث عن تقدم في الوساطات وتحذيرات من عودة التصعيد العسكري، تبدو الأزمة بين إيران والولايات المتحدة عالقة في منطقة رمادية، لا تسمح حتى الآن بالحديث عن تسوية وشيكة، ولا تستبعد في المقابل احتمال العودة إلى المواجهة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه تصريحات دولية عن "مرحلة متقدمة" و"نقطة مفصلية" في جهود الوساطة، تتهم واشنطن طهران بالمماطلة، بينما تربط إيران إعادة فتح مضيق هرمز بشروط سياسية واقتصادية، في مقدمتها إنهاء الحرب ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.
وبذلك، لم يعد الخلاف محصورا في الترتيبات الفنية للملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل بات مرتبطا بمستقبل المواجهة بين واشنطن وطهران وشروط إنهائها.
وفي غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، قدم أربعة خبراء قراءات مختلفة لمسار الأزمة، لكنها التقت عند نقطة أساسية: المسافة بين الطرفين لا تزال واسعة، وما يجري من اتصالات لا يعني بالضرورة أن الاتفاق بات قريبا.
هرمز.. العقدة تتجاوز فتح المضيق
أستاذ القانون الدولي الدكتور عامر فاخوري حذر من الخلط بين استمرار المحادثات واقتراب الاتفاق، مؤكدا ضرورة "التفريق بين أن يتحدث الطرفان وبين أن يتفق الطرفان".
وقال فاخوري إن "كثافة الاتصالات الدبلوماسية لا تعني أن الحرب على وشك الانتهاء"، رغم المستوى المتقدم الذي وصلت إليه مفاوضات الترتيبات الفنية للملاحة مع سلطنة عُمان.
وبحسب قراءته، انتقلت المشكلة من مسألة إعادة فتح مضيق هرمز إلى الثمن الذي تطلبه طهران مقابل ذلك.
وقال: "المشكلة اليوم لم تعد كيفية إعادة فتح مضيق هرمز، بل بالشروط التي تربطها طهران بإعادة فتحه"، معتبرا أن "هرمز أصبح رهينة المطالب الإيرانية سياسيا".
وتتمثل تلك المطالب، وفق فاخوري، في إنهاء الحرب ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وحذر أستاذ القانون الدولي من أن ربط حركة الملاحة في ممر دولي بتحقيق مطالب سياسية قد يفتح ما وصفه بـ"سابقة شديدة الخطورة في القانون الدولي"، يمكن أن تتيح مستقبلا استخدام الممرات الدولية أداة للضغط وتحقيق مكاسب سياسية.
هل تريد طهران تسوية؟
لكن وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف يرى أن المشكلة أعمق من تفاصيل الشروط المطروحة على طاولة المفاوضات، وتكمن في الفجوة بين التصريحات الإيرانية والتحركات على الأرض.
وتساءل النصف: "هل هناك تغيير لدى الطرفين؟ يحاولوا أن يظهروا كثير من الاعتدال، ثم باللحظة الأخيرة... نرجع إلى الخانة الأولى".
واستشهد بما وصفه بنمط متكرر من التصعيد والتراجع، بدءا من تعرض ناقلات نفط للعدوان خلال فترات الهدنة وصولا إلى موجات التفاؤل التي سرعان ما تتبدد.
وشبّه هذا المسار بـ"لعبة الحية والسلم، نصل إلى النهاية ونرجع إلى البداية".
كما اعتبر أن "المطالب الستة" التي طرحتها طهران تعكس، من وجهة نظره، موقفا لا يتناسب مع السعي إلى تسوية، واصفا إياها بأنها "مطالب منتصر".
ويخشى النصف أن يقود استمرار التشدد الإيراني إلى نفاد صبر واشنطن، ومن ثم تنفيذ "ضربة قوية جدا غير مسبوقة"، يعقبها رد إيراني قد يمتد، وفق تقديره، إلى دول في المنطقة.
واختصر السيناريو الذي يخشاه بقوله: "إذا توقف الحوار بدأ العمل العسكري".
وفي الوقت نفسه، أشار النصف إلى أن الشعب الإيراني يبقى الطرف الذي يتحمل التداعيات الاقتصادية والمعيشية للمواجهة.
هدنة أم استعداد لجولة جديدة؟
التشاؤم بشأن فرص التسوية ظهر أيضا في قراءة السياسي العراقي غانم العابد، الذي قال إنه "ليس هناك حل يلوح بالأفق".
واستند العابد إلى التعيينات الأمنية الجديدة في طهران، التي قال إنها جاءت بشخصيات "متشددة"، إلى جانب مواقف محسن رضائي التي تربط فتح مضيق هرمز بإنهاء الحصار والإفراج عن الأصول المجمدة، فضلا عن تهديدات الحرس الثوري باستهداف خطوط الطاقة ومحطات الكهرباء الأميركية.
ويرى العابد أن هذه المؤشرات تعني أن "الطرفين لا زالا بعيدين عن الاتفاق"، وأن الوسيط يستطيع محاولة تقريب المواقف، لكن المشكلة، بحسب تعبيره، أن "بالأساس ليس هناك أي وجهات نظر".
وفي قراءته لطبيعة التصعيد، فرق العابد بين مواجهة عسكرية "مسيطر عليها" وبين توظيفها إعلاميا وسياسيا، معتبرا أن إيران تحاول ممارسة الضغط على واشنطن من خلال حلفائها وليس عبر استهداف الولايات المتحدة مباشرة.
وتساءل في هذا السياق عن سبب عدم استهداف البوارج الأميركية في البحر رغم امتلاك إيران، وفق قوله، صواريخ دقيقة قادرة على إغراقها.
وذهب العابد إلى أن طهران "تسعى لتوسعة الحرب"، محذرا من أن الهدنة الحالية قد تتحول إلى مرحلة استعداد لمفاجأة عسكرية من أحد الطرفين.
وقال: "إذا لم يصلوا إلى اتفاق في هذه المفاوضات، لن تكون هناك مفاوضات مستقبلية، وأحد الطرفين سيقوم بكسر الطرف الثاني".
طهران: واشنطن تستفيد من استمرار الأزمة
في المقابل، يقدم مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور قراءة مختلفة، تحمل واشنطن مسؤولية استمرار الأزمة.
ويرى بور أن "الولايات المتحدة لا تريد أن تحل هذه المشكلة أساسا، هي تستفيد من هذا التوتر بكل صراحة".
واتهم الجانب الأميركي بالتراجع عن تفاهمات سابقة، قائلا إنه "كان من المقرر الإفراج عن 12 مليار دولار مقابل فتح مضيق هرمز، فتحت إيران المضيق، لكن الجانب الأميركي تنصل ونقص المبلغ إلى 6 مليارات، ثم عاد وقال سنعطيكم مكانه أعلافا حيوانية".
وبحسب بور، دفع ذلك طهران إلى تبني مقاربة تقوم على بناء معادلة ردع مع واشنطن.
وقال إن "الحل الوحيد هو أن تقيم إيران معادلة ردع وموازنة بينها وبين الولايات المتحدة، وتعتقد أن هذه المعادلة هي التي سوف تنهي هذه الحرب".
ودافع بور عن التعيينات الأمنية الإيرانية الأخيرة، نافيا أن تعكس فرض الحرس الثوري سلطته على الحكومة، ومشيرا إلى أن القرارات تصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي بموافقة ثلثي أعضائه ومصادقة المرشد.
وأوضح أن التعيينات جاءت لأن إيران تعتقد بوجود مخطط إسرائيلي للهجوم عليها، وأنها أرادت من خلالها توجيه رسالة إلى الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
ورغم دفاعه عن الموقف الإيراني، أقر بور بصعوبة الوصول إلى تسوية في ظل ما وصفه بـ"المصالح الفردية" التي تحكم المفاوضات.
وقال: "كل واحد يفكر بمصلحته ويحاول أن يعطي أولوية لمصلحته، وبالتالي سوف لن نصل إلى نتيجة"، مضيفا أن "هذه العقدة بين إيران والولايات المتحدة لا تحل بهذه السهولة مطلقا".
بين التسوية والمواجهة
وبين قراءة ترى أن شروط طهران تحول مضيق هرمز إلى ورقة سياسية، وأخرى تعتبر أن واشنطن لا تريد إنهاء الأزمة، يبقى مسار المفاوضات مفتوحا على احتمالات متناقضة.
فالتحركات الدبلوماسية بشأن هرمز مستمرة، والمحادثات الفنية قطعت خطوات إلى الأمام، لكن الخلاف يتجاوز آلية الملاحة إلى شروط إنهاء المواجهة نفسها.
وتؤكد التطورات الأخيرة حجم هذه الفجوة، إذ أعلنت طهران أن المضيق سيظل مغلقا ما لم تستجب واشنطن لشروطها، وفي مقدمتها إنهاء الحرب والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وبذلك، فإن كثافة الاتصالات لا تبدد حتى الآن احتمال التصعيد. وبينما تحاول الوساطات تضييق مساحة الخلاف، يبقى السؤال الذي يحكم المرحلة: هل تنجح الدبلوماسية في تحويل التقدم الفني حول هرمز إلى تسوية سياسية أوسع، أم يصبح تعثر الحوار مقدمة لجولة جديدة من المواجهة؟