بين حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اقتراب التوصل إلى اتفاق، وتأكيده في الوقت نفسه جاهزية الخيار العسكري إذا اقتضت الضرورة، تدخل المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز مرحلة شديدة الحساسية.
فبينما قطعت الوساطة العُمانية شوطاً متقدماً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، لا تزال القضايا الاستراتيجية والسياسية العالقة، وفي مقدمتها الضمانات والسيادة والتوازنات الإقليمية، تحول دون إعلان اتفاق نهائي.
ويستند هذا التقرير إلى قراءات 4 خبراء تحدثوا إلى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، هم: رئيس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية زيد عيادات، ورئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام فهد الشليمي، ومدير مركز دراسات الاستراتيجية الإيرانية مصدق بور، والكاتب والباحث السياسي رضوان عقيل.
وساطة عُمانية.. وواشنطن حاضرة من الخلف
يرى فهد الشليمي أن المفاوضات الجارية حول مضيق هرمز تستهدف في المقام الأول ضمان أمن الملاحة الدولية، موضحاً أن الولايات المتحدة تشارك فيها بصورة غير مباشرة عبر الوساطة العُمانية، إذ تنقل مسقط المواقف والمقترحات بين واشنطن وطهران من دون مفاوضات مباشرة بين الطرفين.
ويصف الشليمي هذا الأسلوب بأنه "يناسب الإيرانيين"، الذين يفضلون عدم الظهور في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن سلطنة عُمان تمتلك أوراقاً مهمة بحكم موقعها الجغرافي المطل على المضيق وعلاقاتها مع الطرفين.
ويعتبر أن السياسة الأميركية تجاه إيران تقوم على ما يسميه "سياسة عض الأصابع"، إذ تستند واشنطن إلى تفوقها البحري والجوي للتمسك بشروطها، بينما تحاول طهران المناورة وكسب الوقت، أملا في تغيرات قد تطرأ على المشهد السياسي أو الانتخابي في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يرجح الشليمي أن إيران "تريد حلا"، لكنها تسعى إلى الخروج منه بأقل قدر ممكن من الخسائر، لافتاً إلى أن المقترح المتداول بشأن فتح ممر ملاحي يمر عبر الجزء الشمالي المحاذي لإيران، إلى جانب المسار الجنوبي المحاذي لسلطنة عُمان، يعد خياراً مقبولاً لضمان استمرار حركة التجارة العالمية.
التفاهم الفني.. والعقدة سياسية
من جانبه، يقدم زيد عيادات قراءة مختلفة لمسار التفاوض، إذ يعيد انطلاق المحادثات العُمانية الإيرانية إلى التصعيد الأميركي الذي سبقها، والمتمثل في ضربات استمرت 13 يوماً واستهدفت مواقع وقدرات إيرانية قرب مضيق هرمز.
ويقول إن القيادة المركزية الأميركية قدرت أن تلك الضربات قلصت قدرة إيران على تهديد الملاحة، ما دفعها إلى توجيه ضربات باتجاه الأردن والبحرين والكويت، مشيراً إلى أن وساطات تدخلت لاحقاً لاحتواء التصعيد.
ويرى عيادات أن ما يجري عبر الوساطة العُمانية هو في جوهره مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران، موضحاً أن التفاهم تحقق حتى الآن بشأن الجوانب الفنية وآليات المتابعة، بينما لا تزال الملفات الاستراتيجية والسياسية الأكثر حساسية قيد البحث.
ويشير إلى أن أبرز هذه الملفات يتمثل في مدى انسجام أي تفاهم مع الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وإمكانية قبول جميع الأطراف داخل إيران به، إضافة إلى وجود آلية تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
ويحدد عيادات ثلاثة مرتكزات لأي اتفاق محتمل، وهي:
- وقف كامل للأعمال العدائية.
- التزام إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي.
- ضمان فتح مضيق هرمز ممراً آمناً من دون رسوم أو إشراف إيراني على حركة الملاحة.
ويعتبر أن بقية الملفات، وفي مقدمتها رفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، تبقى رهناً بتقديم طهران ضمانات واضحة، مشيراً إلى أن غياب مثل هذه الضمانات كان سبباً في انهيار تفاهمات سابقة.
في المقابل، يؤكد مصدق بور أن المفاوضات الجارية بين طهران ومسقط تأتي في إطار تنفيذ مذكرة تفاهم قائمة، تنص على التشاور بين إيران وسلطنة عُمان بشأن ترتيبات إدارة مضيق هرمز.
ويقول إن إيران تميز بين إدارة المضيق في زمن الحرب وإدارته في زمن السلم، مشيراً إلى أنها تعرضت لأضرار كبيرة خلال المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعلها تطالب بضمانات أميركية واضحة.
ويرفض بور توصيف المفاوضات بأنها حوار أميركي إيراني مباشر. كما يتناول ما يعرف بـ"الممر الأوسط"، موضحاً أنه يتداخل جزئياً مع الممرين الإيراني والعُماني بسبب الطبيعة الجغرافية لقاع المضيق.
ويؤكد أن إيران لم تنكر يوماً حق سلطنة عُمان في المضيق، لكنها تتمسك بحقها المتساوي في إدارته، معتبراً أن القانون الدولي للبحار لا يحظى بإجماع، ولا سيما أن إيران لم توقع عليه، ويشير إلى وجود اتفاقيات أخرى، من بينها اتفاقية عام 1968 واتفاقية جامايكا لعام 1982، تمنح إيران، بحسب رأيه، حق الاستخدام الاستراتيجي للمضيق إذا تعرض أمنها القومي للخطر.
ويضيف أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، ليست قادرة على حسم أزمة المضيق عبر التصعيد، لأن أي مواجهة واسعة ستنعكس على أمن إمدادات الطاقة العالمية قبل أي طرف آخر.
تصعيد في العراق وربط بالملف اللبناني
وفي سياق متصل، يشير الشليمي إلى تقارير تحدثت عن دخول القوات العراقية والشرطة في حالة استنفار داخل المنطقة الخضراء، بالتزامن مع معلومات عن نقل فصائل مسلحة ذخائرها إلى مناطق مدنية في الصحراء.
ويرى أن هذا التصعيد يتناقض مع أجواء التهدئة التي تشهدها مفاوضات هرمز، متسائلاً عما إذا كان الهدف منه ممارسة ضغوط على رئيس الحكومة العراقية بسبب مواقفه المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة.
من جهته، يربط رضوان عقيل بين مفاوضات هرمز والملف اللبناني، ناقلاً عن مصدر دبلوماسي عُماني أن الطرفين "اقتربا من المسافة النهائية" للتوصل إلى اتفاق، مع تأكيده أن واشنطن حاضرة في المفاوضات من خلال الوساطة العُمانية.
إلا أنه يستبعد أن توافق إيران على إغلاق ملف مضيق هرمز بمعزل عن بقية الملفات، مرجحاً أن تربط أي اتفاق بقضايا برنامجها النووي وأرصدتها المالية المجمدة.
وعلى الصعيد اللبناني، يميز عقيل بين موقف الحكومة ورئاسة الجمهورية، اللتين تدعوان إلى فصل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية عن أي تفاهم أميركي إيراني، وبين موقف حزب الله الذي يربط تسليم سلاحه بانسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.