كشف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في الولايات المتحدة أن الحرب مع إيران ليست سوى أحد الأسباب التي تقف وراء تراجع مخزون الذخائر الأميركية، مؤكداً أن الأزمة تعود إلى مجموعة من العوامل العسكرية والاستراتيجية والصناعية التي تراكمت على مدى عقود، وأصبحت تؤثر في عملية صنع القرار داخل البيت الأبيض بشأن إدارة الصراعات الحالية والاستعداد لأي مواجهات مستقبلية.
وأوضح المركز أن الحرب مع إيران تُعد العامل الأكثر وضوحاً في استنزاف الذخائر، إذ استخدمت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها من صواريخ باتريوت (Patriot) وثاد (THAAD) وPrSM، إضافة إلى نحو ثلث مخزونها من صواريخ JASSM وSM-2/3/6 وتوماهوك.
ورغم أن الكميات المتبقية لا تزال كافية للتعامل مع الحرب الحالية، فإن الخطر يكمن في احتمال اندلاع صراع آخر مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، ما سيضع واشنطن أمام تحديات أكبر في توفير الذخائر اللازمة.
وأشار التقرير إلى أن بعض الذخائر تعاني من نقص لا علاقة له بالحرب مع إيران، مثل الصواريخ بعيدة المدى المضادة للسفن، ومنها LRASM وMaritime Strike Tomahawk وNaval Strike Missile، التي ستكون حاسمة في أي مواجهة بحرية مع الصين، رغم أنها لم تُستخدم إلا بشكل محدود في العمليات ضد إيران.
إرث الحرب الباردة وتراجع الصناعة الدفاعية
ورأى المركز أن السبب الثاني يعود إلى التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، عندما تخلت الولايات المتحدة عن استراتيجية الاستعداد لحرب كبرى مع الاتحاد السوفيتي، واعتمدت بدلا منها استراتيجية تقوم على خوض نزاعين إقليميين محدودين، ما أدى إلى تقليص مشتريات الذخائر بصورة كبيرة.
ولم تبدأ هذه القناعة بالتغير إلا بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، ثم الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، الذي أعاد التأكيد على الحاجة إلى مخزونات أكبر.
أما السبب الثالث، فيتمثل في إعادة هيكلة القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية بعد الحرب الباردة، إذ تقلص عدد شركات الصناعات الدفاعية الكبرى من 51 إلى 5 شركات فقط، وأعيد تنظيم الإنتاج ليتناسب مع احتياجات السلم، وليس مع متطلبات زيادة الإنتاج السريع في زمن الحرب. ولذلك، عندما قررت وزارة الدفاع الأميركية رفع الإنتاج في عام 2022، لم تكن هناك طاقات صناعية احتياطية كافية لتلبية الطلب.
البنتاغون يفضل المنصات على الذخائر
وأضاف التقرير أن الذخائر تعاني أيضاً من ضعف الأولوية في موازنة البنتاغون، إذ تميل المؤسسة العسكرية إلى تخصيص الإنفاق لشراء المنصات العسكرية، مثل الطائرات والسفن والمدرعات، التي تبقى في الخدمة لعقود وتسهم في الردع، بينما تخزن الذخائر بعد تصنيعها ولا تُستخدم إلا في أوقات الحرب، ما يجعلها عرضة لتقليص التمويل لصالح برامج أخرى.
حروب الشرق الأوسط تسرع الاستنزاف
واعتبر المركز أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية أسهمت بدورها في استنزاف المخزون، إذ استخدمت إدارتا الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب أعداداً كبيرة من الذخائر المتطورة في الشرق الأوسط، سواء خلال العمليات ضد الحوثيين أو في المواجهات المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحماس، ثم التصعيد بين إسرائيل وإيران.
وشمل ذلك استخدام مئات من صواريخ SM-2/3/6، إضافة إلى نحو 150 صاروخ THAAD خلال ما عُرف بـ"حرب الأيام الاثني عشر"، فضلاً عن الاستخدام المكثف لصواريخ توماهوك وغيرها من الذخائر بعيدة المدى.
أوكرانيا.. تأثير محدود واستثناءات مؤثرة
وفيما يتعلق بالمساعدات العسكرية لأوكرانيا، أوضح المركز أنها ليست السبب الرئيس في الأزمة، رغم إرسال كميات كبيرة من المعدات العسكرية إلى كييف.
وأشار إلى أن معظم هذه المساعدات خُصص للحرب البرية، مثل دبابات أبرامز ومركبات برادلي وناقلات M113 وذخائر المدفعية وصواريخ جافلين وTOW، وهي معدات لا تؤثر كثيراً في الحرب مع إيران.
واستثنى التقرير أربعة أنواع من الذخائر، هي صواريخ باتريوت وATACMS وHARM وستينغر (Stinger)، معتبراً أنها الأكثر تأثراً، ولا سيما صواريخ باتريوت وPrSM، اللتين تمثلان جوهر أزمة المخزون الحالية بسبب تزامن استخدامها في دعم أوكرانيا والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
الوقت.. التحدي الأكبر أمام واشنطن
وخلص مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الولايات المتحدة تواجه معضلة تتمثل في الموازنة بين المكاسب العسكرية التي تحققها حالياً والمخاطر التي قد تنشأ عن انخفاض مخزونات الذخائر في أي حرب مستقبلية، وهي قضية وصفها بأنها موضع انقسام سياسي داخل الولايات المتحدة.
وأضاف أن واشنطن تعمل على تسريع إنتاج الذخائر منذ إدارة بايدن، واستمرت هذه الجهود في إدارة ترامب، مع توقعات بزيادة الإنتاج إذا أُقرت موازنة السنة المالية 2027.
وأكد التقرير أن التحدي الأكثر إلحاحا لا يتعلق بالتمويل، بل بالوقت، إذ يستغرق إنتاج الذخائر وتسليمها ما بين عامين وأربعة أعوام بعد توقيع العقود، ما يعني أن الولايات المتحدة ستبقى خلال السنوات المقبلة أمام فترة من الهشاشة العسكرية إلى حين استعادة مخزوناتها وبناء قدرة إنتاجية قادرة على تلبية متطلبات أي صراع واسع النطاق.