تشهد إيران أزمة اقتصادية حادة تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة، ما دفع كثيرا من الأسر إلى مواجهة خيارات معيشية صعبة، وصلت في بعض الحالات إلى بيع جزء من ممتلكاتها لتأمين احتياجاتها الأساسية وتوفير السيولة اللازمة لتجاوز الضغوط اليومية المتزايدة، في وقت اضطرت فيه بعض العائلات إلى تقليص الإنفاق على احتياجاتها اليومية.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أزمة تضخم حادة، إذ ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 50.6 بالمئة بحلول منتصف مارس، بزيادة 3 نقاط مئوية مقارنة بالشهر السابق، وفق ما أعلن مركز الإحصاء الرسمي.
وامتدت الأزمة بقوة إلى الغذاء، إذ تجاوز تضخم السلع الغذائية 112 بالمئة في مارس 2026، مع زيادات غير رسمية تتراوح بين 70 بالمئة و105 بالمئة، فيما قفزت أسعار الخبز والحبوب بنحو 140 بالمئة، لتصبح اللحوم خارج القدرة الشرائية لشرائح واسعة من السكان، وفق تقارير محلية.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن سلة الغذاء الشهرية للأسرة المتوسطة أصبحت أغلى بثماني مرات مقارنة بما كانت عليه قبل 5 سنوات، وبأكثر من 30 مرة مقارنة بعام 2016.
إغلاق شركات ومتاجر
وجاء هذا التدهور الاقتصادي بالتزامن مع أسابيع من الضربات الأميركية والإسرائيلية التي عطلت النشاط الاقتصادي في أنحاء البلاد، حيث شهدت طهران تباطؤا واضحا في الحركة التجارية، مع مغادرة جزء من السكان وإغلاق العديد من الأنشطة.
ووفق تقرير لـ"إيران إنترناشونال"، بقيت كثير من الشركات مغلقة، فيما امتدت آثار الضربات لتصيب القطاع الصناعي، حيث أدت استهدافات لمجمعات إنتاج الصلب إلى اضطراب سلاسل الإمداد ورفع مخاوف فقدان وظائف واسعة في قطاعات التصنيع.
وبات تأمين الاحتياجات الأساسية عبئا يوميا رئيسيا على الأسر، خصوصا الفئات العاملة والريفية، في وقت أفادت فيه تقارير عمالية بأن نظام قسائم السلع الإلكترونية الذي اعتمدته الحكومة لم يعد يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية للعمال.
ودعت نقابة "العمال" المرتبطة بالحكومة إلى العودة إلى التوزيع المباشر للسلع الأساسية مثل الأرز والزيت والسكر، على غرار نظام التوزيع خلال الحرب في الثمانينيات.
وأشارت تقارير محلية إلى أن تدهور الوضع بشكل دراماتيكي أجبر العديد من المستهلكين على تقليص النفقات الأساسية، فيما عجز آخرون عن دفع تكاليف السكن واضطروا للعودة للعيش مع أقاربهم أو بيع جزء من الممتلكات، وأحيانا أثاث المنزل.
أزمة نتيجة لـ"سياسات متراكمة"
واعتبر عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مهدي عقبائي، أن ما "تشهده إيران ليس موجة غلاء عابرة، بل نتيجة مباشرة لتراكم سياسات اقتصادية خاطئة، تفاقمت بشكل كبير مع تداعيات الحرب الراهنة والإنفاق العسكري المتزايد على حساب معيشة المواطنين".
وأوضح عقبائي، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "الحرب فرضت ضغطا إضافيا على اقتصاد منهك أساسا، حيث جرى توجيه الموارد نحو الأغراض العسكرية والأمنية، ما قلّص القدرة على دعم السلع الأساسية، وانعكس مباشرة على ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات، لتصبح شرائح واسعة من المجتمع غير قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية".
ولفت إلى أن "وسائل إعلام رسمية داخل إيران اعترفت بهذه الأزمة، إذ اضطرت نسبة كبيرة من الأسر إلى بيع الذهب أو الممتلكات لتغطية نفقاتها، كما تجاوز خط الفقر مستويات غير مسبوقة، مع تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى".
تداعيات الحرب على الاقتصاد
وأشار عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إلى أن "الحرب عمقت الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، حيث شهدت العملة الوطنية مزيدا من التراجع، وارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات تفوق 50 بالمئة في بعض القطاعات، خاصة المواد الغذائية".
كما أقر البنك المركزي الإيراني بتراجع الاحتياطيات الأجنبية وزيادة العجز في الميزانية.
وأكد عقبائي أن "الحرب لم تكن سوى عامل مضاعف لأزمة قائمة بالأساس نتيجة سوء الإدارة، ما جعل المواطن الإيراني يدفع ثمن سياسات لا ترتبط بمصالحه، في ظل اتساع خطير للفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة".
واعتبر أن "الأزمة المعيشية مرشحة للتفاقم ما لم يحدث تغيير جذري في النهج الاقتصادي والسياسي القائم".