مع تزايد انتشاره، ودخوله بديلا للمواد الطبيعية في أشهر مشروب شعبي في مصر، بدأت حملات تقودها وزارة التموين وهيئة سلامة الغذاء تحركاتها للتصدي لانتشار "ثاني أكسيد التيتانيوم"، الذي حول "القصب" من عصير مفيد إلى مادة سامة تهدد حياة المصريين وتنشر الأمراض.
وأسفرت الحملات الرقابية المختلقة، خلال أقل من يومين، عن رصد مخالفات خطيرة، تتعلق باستخدام المادة لتغيير خواص العصير ومظهره بالمخالفة للاشتراطات والمعايير المعتمدة، حيث جرى ضبط محال كبرى تستعمله في مختلف محافظات الوجه البحري والصعيد.
ويوضح الكيميائي والخبير في مجال الكيماويات الغذائية أحمد فؤاد أن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم، أو "ثنائي الأكسيد"، عبارة عن مركب يمنح اللون الأبيض ويعزز "زهوة" المنتجات، لذلك فهو عنصر أساسي في مستحضرات التجميل، بالإضافة إلى الأحبار والأوراق والدهانات.
وقال، في تصريحات خاصة لموقع "سكاي نيوز عربية" أن استخدام هده المادة في المنتجات الغذائية إلى جانب خطورته من الناحية الكيماوية- فإنه يعد جريمة غش تجاري، لأنه يخفي المعالم الحقيقية للمنتج، ويغير من خواصه الأحدث، فقد يكون المنتج فاسدًا ويبدو نظيفا تماما.
ولفت إلى أن عصير القصب، الذي يعد المشروب الشعبي الأوسع انتشارا والأقل سعرا في مصر، سريع العطب، وتتغير خواصه وألوانه بسرعة، لذلك يستخدم التجار "ثاني أكسيد التيتانيوم" كبديل لتفتيح لون العصير، بما يعطي الانطباع بأنه طازج، وأنه صالح للاستهلاك الآدمي.
اللون الأبيض يخفي السم
وقال الخبير في وزارة التموين المصرية، ويعمل خبيرا في جودة الأغذية، في تصريح خاص لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن اللون الأبيض الذي يفرضه "ثاني أكسيد التيتانيوم" على عصير القصب، يخفي السم في داخله، وهو ما جعل الوزارة تعطي أوامر مباشرة لمختلف المديريات للتحرك والتفتيش والضبط فورا.
وأوضح أن مديريات التموين في المحافظات تنفذ في الوقت الحالي حملات رقابية مكبرة، بالتنسيق مع جهات مختصة أخرى، من بينها الهيئة القومية لسلامة الغذاء وجهاز حماية المستهلك، وتحت رعاية وزارة الداخلية، وتمكنت بالفعل من ضبط المادة في عدد من المحافظات.
أضاف: "ضبط تجار يستخدمون المادة لغش عصير القصب في محافظات القليوبية وسوهاج والمنيا والغربية والفيوم، وفي حالة رسم خريطة للمحافظات التي جرت فيها الضبطيات يتضح أن هناك انتشار كبير لهذه المادة في معظم محافظات الجمهورية، من الإسكندرية إلى الصعيد".
ووجه المصدر إلى ضرورة الإبلاغ فورا في حالة الاشتباه في تغير خواص عصير القصب، الذي يعد أشهر مشروب شعبي في مصر، إذ إن لونه الطبيعي يكون أخضر فاتحًا أو مائلًا للذهبي، وفي حالة ميله للون الأبيض الناصع فإنه يكون مغشوشًا بمادة ثاني أكسيد التيتانيوم.
بالإضافة إلى ذلك، وفق المصدر، فإن بقاء لون عصير القصب ثابتًا لمدة طويلة دون ظهور رواسب بيضاء في قاع الكوب، أو عدم تغير لونه وميله إلى اللون الزيتي أو الأخضر الغامق، يعني أن هذا العصير يحتوي على مواد كيماوية تستدعي التعامل معه بحذر حرصًا على الصحة.
مادة محظورة دوليا
قالت رئيسة قسم الإرشاد البيطري الدكتورة سماح نوح، إن مادة ثاني أكسيد التيتانيوم تعد من المواد المحظور استخدامها دوليا في الأغذية، إذ إن الاتحاد الأوروبي أوقف استخدامها وإضافتها إلى الأغذية المختلفة منذ 4 سنوات، وذلك لاحتمالات تأثيرها السلبي على المدى البعيد.
وأشارت، في حديث خاص لموقع "سكاي نيوز عربية"، إلى أن المادة تخضع لدراسات مكثفة بشأن تأثير جزيئاتها الدقيقة في صحة الإنسان، ولكن المؤكد أن ثاني أكسيد التيتانيوم يرتبط بالتغيرات الخلوية والإجهاد التأكسدي، وفق ما كشف عنه بعض الأبحاث العلمية.
من جانبه، قال محمد أبو إسماعيل، وهو أحد ملاك محال عصير القصب في محافظة القليوبية، إن بعض التجار يعرضون عليه شراء مادة "الأكسيد" -كما يسميها- بزعم أنها موفرة للغاية، إلى جانب مواد أخرى يمكن استخدامها لغش أنواع العصائر الأخرى التي يقدمها.
وتابع، في حديثه لـ"سكاي نيوز عربية"، أن ملعقة واحدة من هذه المادة، في حالة إضافتها إلى 50 لتر كاملة من عصير القصب، فإنها تحوله بالكامل إلى اللون الأبيض، ويحافظ على هذا اللون لمدة طويلة، وهو ما يعطي انطباعًا للمستهلك أنه سليم، رغم أنه لونه قد تغير منذ فترة.
وأضاف: "مادة أخرى اسمها "السكارين"، يستخدمها بعض التجار بديلًا للسكر في العصائر الأخرى، وهي مادة كيماوية تجعل العصير حلوًا، وكل 5 جرامات من هذه المادة توفر 10 كيلوغرامات من السكر، أي ما يوازي 300 جنيه، وبالتالي تتحقق أرباح على حساب صحة الناس".
وكشف أبو إسماعيل عن استخدام مادة ثاني أكسيد التيتانيوم في مشروب شعبي أخر، وهو "السوبيا"، التي تكون في الأساس بيضاء اللون، ولكن قد تتغير في حالة بقائها لمدة طويلة وعدم بيعها، موضحًا أن غش السوبيا أكثر خطرًا، لأنها تحتوي على بدائل للبن تتفاعل مع المادة.