في وقت لا يزال فيه المسار السياسي في ليبيا يواجه خلافات مؤسسية وانقسامات داخل الأجسام السياسية، حقق المسار العسكري خطوة جديدة باتجاه تعزيز التنسيق بين الشرق والغرب بعد اتفاق رؤساء الأركان النوعية للقوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي في المنطقتين على برنامج للعمل المشترك.

واتفق رؤساء الأركان النوعية خلال اجتماع عقد في مدينة سرت، الأربعاء، على برنامج عمل يتضمن 4 محاور رئيسية لتعزيز التعاون والتكامل بين مكونات المؤسسة العسكرية.
ويشمل البرنامج التدريب والمناورات العسكرية المشتركة والتعاون في مجال التسليح وتحديث المعدات والتنسيق اللوجستي وتبادل قطع الغيار والإمدادات إلى جانب التأهيل العلمي والعسكري من خلال المؤسسات التعليمية والكليات والمدارس المتخصصة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة من اللقاءات العسكرية بين الشرق والغرب وبناء على نتائج الاجتماعات التي عقدها رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة شرق ليبيا خالد حفتر والفريق صلاح النمروش رئيس الأركان العامة التابعة للحكومة في طرابلس.
واتفق المشاركون على استمرار اللقاءات بين رؤساء الأركان النوعية والإدارات العامة وتعزيز التنسيق في القضايا المرتبطة بسيادة الدولة مع تولي كل رئاسة أركان إعداد خطتها التنفيذية لتطبيق المحاور الأربعة المتفق عليها.
المسار العسكري
وقال الخبير العسكري الليبي العميد شرف الدين العلواني في تصريح خاص لـ"سكاي نيوز عربية" إن الاجتماعات العسكرية في سرت تمثل "خطوة هامة" للدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية وتحمل رسائل إلى الدول الكبرى التي لديها مصالح مشتركة مع ليبيا وتبحث عن أمن واستقرار المنطقة.
وأضاف أن نجاح مشروع توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية مرتبط من وجهة نظره بمدى جدية الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا إلى جانب الدول الأخرى ذات المصالح في ليبيا في دعم هذا المسار.
ويرى العلواني أن توحيد الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية والاقتصادية سيكون اختبارًا حاسما للمشهد الليبي ككل بما في ذلك المسار السياسي محذرًا من أن فشل المشروع قد يدفع البلاد بحسب تقديره نحو مزيد من الصراع.

أخبار ذات صلة

مجلس الأمن يرحب باتفاق ليبي يمهد لانتخابات خلال عامين
ليبيا.. أزمة الشرعية تهدد "4+4" وتعيد صراع السلطة

مساران لا يتحركان بالسرعة نفسها

وبينما يحقق المسار العسكري خطوات عملية لا يزال المسار السياسي يواجه أزمة جديدة خصوصا داخل المجلس الأعلى للدولة على خلفية الخلاف حول اتفاق "4+4" الذي يتضمن خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والنيابية المرتقبة.
وتصاعد الخلاف عقب إسقاط عضوية العضوين عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز من المجلس على خلفية توقيعهما الاتفاق فيما أعلنت تنسيقية الكتل بالمجلس رفضها نتائج الجلسة الأخيرة وما شاب عملية التصويت من ملابسات مؤكدة رفضها قرار إسقاط العضوية.
ومنحت التنسيقية رئاسة المجلس فرصة لتدارك الوضع والعودة إلى الأطر القانونية والتوافقية محذرة من أن استمرار الأزمة قد يمس وحدة المجلس وهيبته واستقلال قراره.
ولم يتوقف الخلاف عند المجلس الأعلى للدولة إذ امتد إلى المجلس الرئاسي مع رفض رئيسه محمد المنفي الاتفاق مقابل دعمه من النائب بالمجلس موسى الكوني.
ويرى عضو مجلس الدولة الليبي أحمد أهمومة في تصريح خاص لـ"سكاي نيوز عربية" أن الخطوات التي بُذلت ولا تزال تُبذل لتوحيد المؤسسة العسكرية "ليس لها علاقة بالمسار السياسي" معتبرًا أن المسارين يسيران بصورة منفصلة.
وأوضح أهمومة أن الرعاية الأساسية للمسار العسكري بحسب تقديره تأتي من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" وأن المسار العسكري سابق للمسار السياسي فيما تمثل الولايات المتحدة الراعي الرئيسي له مع وجود دعم أممي.
وأشار إلى أن المسار العسكري قطع شوطًا طويلًا عبر اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" لافتًا إلى تنفيذ مناورة عسكرية مشتركة بين القوات في الشرق والغرب فضلًا عن تشكيل قوة مشتركة لتأمين الجنوب.
وأضاف أن تعثر المسار السياسي لن يكون بالضرورة مؤثرًا في المسار العسكري معتبرًا أن هذا المسار يستطيع مواصلة تقدمه بمعزل عن الأزمات السياسية.
في المقابل يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي في تصريح خاص لـ"سكاي نيوز عربية" أن اجتماعات رؤساء الأركان من الشرق والغرب في سرت "غاية في الأهمية" لأنها تضع أسسًا أكثر متانة وصلابة للتعاون العسكري.
وأوضح الأوجلي أن هذه الاجتماعات تسير في تقديره في السياق نفسه الذي حددته المبادرة الأميركية وما أُعلن خلال زيارة أعضاء من الكونغرس الأميركي إلى الرجمة وطرابلس معتبرا أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها تبدو الآن في مرحلة الانتقال إلى التنفيذ.
ورفض اعتبار التحرك العسكري محاولة للتغطية على الفشل السياسي مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية حققت تقدمًا منذ بدء عمل اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" في الوقت الذي ظل فيه المسار السياسي متعثرا.
وأضاف أن ما يميز المسار العسكري هو قدرته على الاستمرار بعيدًا عن تعقيدات السياسة معتبرًا أن الخطوة الأخيرة قد تفتح أبوابًا جديدة وربما تتحول إلى دافع للسياسيين من أجل إنتاج توافق.
وأشار إلى أن تحقيق توحيد فعلي للمؤسسة العسكرية قد يغير الحسابات السياسية في البلاد لأن وجود جيش ليبي موحد وقادر على الاضطلاع بمسؤولياته في مختلف أنحاء البلاد قد يفرض واقعًا جديدًا على القوى السياسية.
اتفاق ليبي برعاية أممية يمهد لانتخابات خلال عامين
اختبار الفاعلية
لكن هذا التقدم لا يخلو من شكوك بشأن مدى قدرته على إحداث تحول فعلي في بنية المؤسسة العسكرية الليبية وقال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ في تصريح خاص لـ"سكاي نيوز عربية" إن الاجتماعات التي تجمع القيادات العسكرية من الشرق والغرب مهمة، لكنه شكك في قدرتها وحدها على إحداث تغيير فعلي في المشهد العسكري.
وأوضح محفوظ أن الإشكال الليبي لا يتعلق بمجرد تنسيق فني أو قضايا لوجستية وإنما بوجود جيشين في الشرق والغرب إلى جانب تشكيلات وميليشيات عسكرية في المنطقة الغربية معتبرًا أن ذلك يجعل الحديث عن تنسيقات بين القيادات العسكرية غير كافٍ لمعالجة الوضع القائم.
وأضاف أن عقد مثل هذه الاجتماعات بصورة متكررة لا يعني بالضرورة أنها تمثل مؤشرًا حقيقيًا على قرب توحيد المؤسسة العسكرية لأن توحيد المؤسسة العسكرية يحتاج إلى قرار سياسي بين الأطراف المتنافسة ضمن عملية سياسية متكاملة.
وأشار محفوظ إلى تجربة اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" التي تشكلت عقب اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020 وضمت خمسة عسكريين من الشرق وخمسة من الغرب وحظيت بدعم دولي وقرارات من مجلس الأمن معتبرًا أنها رغم ذلك لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي حددت لها.
بناء ثقة
ومن زاوية أخرى يرى المحلل السياسي الليبي فيصل الفيتوري رئيس الائتلاف الليبي-الأميركي في واشنطن أن ما يحدث لا يمثل نجاحًا عسكريًا لتعويض التعثر السياسي وإنما خطوة أولى في عملية طويلة لإعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية في الشرق والغرب.
وقال الفيتوري في تصريح خاص لـ"سكاي نيوز عربية" إن التدريب والمناورات والتنسيق والتأهيل تمثل مراحل ضرورية لكن توحيد الجيش فعليًا يبدأ عند حسم ملفات القيادة والسيطرة والتسلسل القيادي ودمج الوحدات وإدارة السلاح وصولًا إلى قرار عسكري وطني واحد.