تتزايد المخاوف من تداعيات إقليمية أوسع لجريمة استخدام الجيش السوداني ومجموعات متحالفة معه ومصنفة إرهابية أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023، في ظل احتمال وصول هذه الأسلحة إلى جماعات إرهابية تنشط في عدد من بلدان غرب ووسط وشرق أفريقيا.
فهل يتحول "كيماوي السودان" إلى تهديد إرهابي عالمي جديد، يعيد إلى الذاكرة الهجمات الدامية على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، وهجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، التي دبرها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، وشكّل نظام الإخوان في السودان نقطة انطلاقته الأولى؟
وبحسب عزت خيري، الباحث في الشؤون السياسية وقضايا الإرهاب، ترتبط المخاوف بجانبين؛ يتمثل الأول في إمكانية استفادة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي من حالة الفوضى الراهنة، والروابط القديمة بين تنظيم الإخوان في السودان وجماعات إرهابية نفذت في السابق هجمات دامية استهدفت المصالح الأميركية والغربية.
أما الجانب الثاني، فيكمن في مخاوف اتساع رقعة هجمات الحرب السودانية، بكل أنماطها بما في ذلك الأسلحة الكيميائية، إلى خارج الحدود، وهو ما تجسد في ضربات المسيّرات التي استهدفت الأراضي التشادية في يونيو، واتُّهم الجيش السوداني بتنفيذها.
وفي خضم الاتهامات المتصاعدة للجيش السوداني والمجموعات المتحالفة معه باستخدام مواد كيميائية وأسلحة محرمة دوليا في عدد من مناطق وسط وغرب البلاد، اتسع الجدل بشأن التأثيرات الصحية والإنسانية والبيئية على سكان تلك المناطق.
لكن قمر الطاهر، خبير الشؤون السياسية والحدود في القرن الأفريقي، يشدد على أهمية عدم النظر إلى استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان باعتباره قضية داخلية تخص السودانيين وحدهم، بل تهديداً أمنياً وإنسانياً وبيئياً وصحياً قد تمتد آثاره إلى دول مختلفة في القارة الأفريقية.
وفي الخامس من سبتمبر، نشرت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" تحقيقين استندا إلى وثائق داخلية وصور ومقاطع فيديو ورسائل صوتية واتصالات جرى اعتراضها، تشير إلى أن القوات المسلحة السودانية طورت ذخائر قائمة على الكلور خلال الحرب.
وذكرت "واشنطن بوست" أن الأدلة شملت عمليات إنتاج واختبارات أُجريت في الصحراء وتخطيطاً للأهداف، فضلاً عن مخزون ربما بلغ نحو 290 ذخيرة كيميائية. أما "نيويورك تايمز"، فأشارت إلى اتصالات تفيد بأن قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، كان على علم مباشر بالبرنامج المزعوم. ونفى مسؤولون في القوات المسلحة السودانية تطوير أسلحة كيميائية أو استخدامها.
سلاح عابر للحدود
ينبه الخبير الأفريقي قمر الطاهر إلى أن السلاح الكيميائي، بطبيعته، لا يعترف بالحدود السياسية ولا يمكن حصر مخاطره داخل دولة واحدة، شأنه في ذلك شأن الإرهاب.
ويقول الطاهر إن أي انتشار لمواد أو أسلحة محظورة داخل السودان يمكن أن يفتح الباب أمام كارثة إقليمية واسعة، خصوصاً في ظل حالة عدم الاستقرار ووجود جماعات مسلحة ونزاعات متشابكة في عدد من دول المنطقة، الأمر الذي قد يحول السودان إلى مصدر تهديد مباشر لدول الجوار والقارة بأكملها.
ووفقا للطاهر، تتزايد المخاوف بصورة خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعاني نزاعات داخلية أو نشاط جماعات مسلحة ومعارضة، إذ يمكن أن يؤدي انتقال هذه المواد أو وقوعها في الأيدي الخطأ إلى تعقيد الأوضاع الأمنية بصورة خطيرة.
ويربط مراقبون بين تحرك تشاد داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومخاوفها من حصول جماعات إرهابية تنشط داخل أراضيها على تلك الأسلحة.
وفي نوفمبر 2025، وجهت تشاد مذكرة رسمية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، طالبت فيها بالتحقيق في استخدام الجيش السوداني أسلحة محرمة.
وفي موقف سابق، وبعد أشهر من اندلاع الحرب في الخرطوم، ربطت تشاد بين مكونات الجيش السوداني وجماعات إرهابية تنشط داخل أراضيها.
وقالت وزارة الخارجية التشادية إن سلطات الجيش السوداني لم تتوقف، على مدى عقود، عن إنشاء حركات التمرد وتدريبها وتمويلها وتسليحها بهدف زعزعة استقرار تشاد. وأضاف البيان أن السودان يقوم حالياً بتسليح الجماعات الإرهابية الناشطة في المنطقة وتمويلها.
نوايا متبادلة
لا يخفي قادة المجموعات المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني، والمرتبطة باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، عزمهم على نقل عملياتهم إلى الخارج، في ظل مؤشرات إلى سعي جماعات إرهابية في أفريقيا إلى امتلاك أسلحة أكثر فتكاً.
وفي يناير، هدد المصباح طلحة، قائد "كتيبة البراء بن مالك" المصنفة إرهابية، بنقل عملياته إلى خارج الحدود، مشيراً إلى امتلاك قواته طائرات ومسيّرات وأسلحة أخرى لم يسمّها.
وفي مايو، حذرت الأمم المتحدة من وجود أدلة تشير إلى أن الجماعات الإرهابية في أفريقيا تسعى إلى امتلاك قدرات كيميائية، مستفيدة من التقدم التكنولوجي الهائل في صفوفها.
وقالت الأمم المتحدة، في بيان، إن الأدوات الناشئة، مثل الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، قد تجعل الهجمات الكيميائية أكثر قابلية للتنفيذ.
ووفقاً للأمم المتحدة، فإن العواقب الإنسانية والبيئية والاقتصادية المحتملة لأي هجوم كيميائي أو إشعاعي ستكون وخيمة، وقد تمتد آثارها عبر الحدود، بما يقوض الأمن الدولي والثقة في التكنولوجيا النووية السلمية.
وتشمل المخاطر استخدام ما يُعرف بـ«القنابل القذرة»، وشن هجمات على المنشآت النووية، ونشر أسلحة كيميائية مسروقة، أو تفجير عبوات نووية مصنعة يدوياً.
وأكد ماورو ميديكو، مدير مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، أن مستوى التهديد أصبح أعلى من أي وقت مضى، نتيجة تزايد سهولة الوصول إلى التقنيات المتقدمة.
وأضاف ميديكو أن الجماعات الإرهابية تجند متخصصين، من بينهم خبراء في الذكاء الاصطناعي، وقد استخدمت بالفعل طائرات مسيّرة في هجماتها. وحذر من أن هذه التطورات قد تزيد احتمالات شن هجمات أكثر تعقيداً، بما في ذلك استخدام المسيّرات لإيصال مواد كيميائية وأجهزة مشعة.
تداعيات خطيرة
تتزايد احتمالات انتقال الأسلحة الكيميائية إلى الجماعات الإرهابية في أفريقيا، في ظل العلاقة الوثيقة بين عدد من تلك الجماعات وتنظيم الإخوان الذي يقود الحرب في السودان، ويرتبط بدوره بإيران وجماعة الحوثي، الساعيتين إلى اتخاذ السودان ممراً لضرب المصالح الغربية والأميركية في أفريقيا.
ووفقاً لتقرير صادر عن "سنتشري إنترناشيونال"، بنت إيران وجماعة الحوثي علاقات مع فصائل إخوانية داخل الجيش السوداني، وعززتا شبكة علاقاتهما التي شملت أيضا حركة الشباب في الصومال.
وعلى مدى سنوات، عملت إيران على تطوير قدرات جماعات إخوانية مسلحة، ليس فقط على القتال باستخدام تكتيكات حرب العصابات التقليدية، بل أيضاً على استخدام الأسلحة الكيميائية.
ويشدد الباحث عزت خيري على ضرورة أن تعي الدول الأفريقية أن دخول عنصر الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية يعني أن الصراع تجاوز عتبة خطرة جديدة، وأن تدفق الأسلحة الذي يبقيه مستمرا يجب، تبعاً لذلك، أن يُقيّد.
ويوضح خيري لسكاي نيوز عربية: "الأمر لا يتعلق بمجرد ادعاء باستخدام سلاح غير مشروع آخر في حرب شهدت بالفعل فظائع عديدة، لكنه يتعلق أيضاً باحتمال وجود هذا السلاح في أيدي جماعات إرهابية ارتبطت بمجموعات مشابهة على امتداد منطقة الساحل الأفريقي".