بين هدوءٍ حذر وشوارع تُقفلها ركام المباني المهدّمة، تستعيد الضاحية الجنوبية لبيروت نبضها تدريجيا. نهار يعجّ بحركة خجولة، وليل يفرغ سريعا، في مشهد لا يعكس استقرارا بقدر ما يعبّر عن مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، وسط غياب أي إعلان رسمي عن خطة أمنية واضحة.

ورغم تراجع العمليات العسكرية، لا تزال الحياة اليومية غير مستقرة، فيما يملأ الفراغ الأمني حضور غير رسمي. ويقول عدد من الشبان لموقع "سكاي نيوز عربية" "لم نغادر الضاحية لا خلال الحرب ولا بعدها… نحن هنا حراسها"، في تعبير عن واقع ميداني يتجاوز الأطر الرسمية.

في المحصلة، تبدو الضاحية الجنوبية أمام معادلة صعبة: بنية متكاملة فرضت نفسها على مدى سنوات، في مقابل دولة لا تزال مترددة في اتخاذ قرار المواجهة أو الاحتواء.

وبين واقعٍ يفرض شروطه وقرارٍ لم يحسم بعد، يبقى السؤال مفتوحا ،هل تستطيع الدولة اللبنانية إعادة رسم حدود سلطتها داخل الضاحية، أم أنّ خصوصية المنطقة ستبقى أقوى من أي محاولة تغيير في المدى المنظور؟

خصوصية الضاحية

لا تشبه الضاحية الجنوبية سواها من المناطق اللبنانية. فعلى مدى عقود، نشأت داخلها منظومة متكاملة من المؤسسات والخدمات ذات الطابع الخاص، جعلتها أقرب إلى نموذج مستقل ضمن الدولة.

فإلى جانب المدارس الرسمية والخاصة، تنتشر مؤسسات تعليمية تعتمد مناهج خاصة، تُضاف إليها في بعض الأحيان مواد ذات طابع عقائدي. كما تضم الضاحية مرافق وخدمات محلية، من بينها محطات محروقات خاصة، إضافة إلى هيئات اقتصادية واجتماعية، برز منها سابقًا "القرض الحسن" كنموذج لمنظومة مالية موازية.

هذا الواقع سبب بيئة مختلفة في تفاصيلها اليومية، حيث باتت العديد من الخدمات تُدار ضمن إطار خاص، يوازي – وأحيانًا يتقدّم – على حضور الدولة.

الدولة موجودة.. لكن القرار غائب

إداريًا، لا تزال الضاحية خاضعة لسلطة الدولة عبر البلديات والمخاتير ومخافر قوى الأمن الداخلي. إلا أنّ مصادر أمنية تؤكد لموقع “سكاي نيوز عربية” أنّ أي انتشار أمني واسع يحتاج إلى قرار حكومي واضح لم يُتخذ حتى الآن.

هذا الغياب في القرار، رغم الحضور الشكلي للمؤسسات، يعكس حذرًا رسميًا في التعاطي مع ملف شديد الحساسية، ويطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد الدولة للدخول فعليًا إلى هذا الواقع المركّب.

نفوذ متجذّر يتجاوز الأمن

في المقابل، رسّخ حزب الله حضوره داخل الضاحية منذ أواخر الثمانينيات، وتوسّع هذا النفوذ ليشمل مختلف جوانب الحياة، من الأمن غير الرسمي إلى الخدمات الاجتماعية والتنظيم المحلي.

هذا التداخل بين مؤسسات الدولة والبنية الحزبية جعل الضاحية نموذجا معقّدا، حيث يصعب فصل الأمني عن الاجتماعي والسياسي، أو رسم حدود واضحة بين ما هو رسمي وما هو غير ذلك.

أخبار ذات صلة

اليونيفيل تندد "بالهجوم القاتل" جنوبي لبنان.. وتكشف التفاصيل
تصعيد بعد الهدنة.. إسرائيل تستهدف عناصر حزب الله جنوب لبنان

الشارع بين القبول والاعتراض

على المستوى الشعبي، تتباين الآراء. إذ يرى بعض السكان أنّ هذا الواقع، رغم تعقيداته، وفّر نوعًا من الاستقرار والخدمات في ظل ضعف الدولة.

في المقابل، يعبّر آخرون لموقع "سكاي نيوز عربية" عن رغبتهم في حضور أقوى للدولة، معتبرين أنّ حصر النفوذ بجهة واحدة داخل منطقة حيوية يطرح إشكاليات تتعلق بالسيادة وتوازن السلطة.

وبين هذين الموقفين، يبقى المزاج العام موزّعًا بين أولوية الاستقرار والخشية من أي تغيير غير محسوب.

وفي المواقف الرسمية، يقول النائب وضاح الصادق لموقع "سكاي نيوز عربية" إنّ "أي خطة أمنية للضاحية تقع على عاتق الحكومة”، مشيرًا إلى أنّ مشروع “بيروت منزوعة السلاح" لا يشمل الضاحية إداريًا، ما يتطلب مقاربة خاصة.

بدوره، يؤكد رئيس بلدية حارة حريك زياد واكد للموقع أنّ "القرار بيد وزارة الداخلية، ونحن بانتظار ما سيصدر عنها"، لافتًا إلى أنّ الظروف الحالية لا توحي بعودة سريعة للحياة الطبيعية.

عوائق بنيوية أمام الدولة

وفي قراءة تحليلية، يقول أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت مكرم رباح لموقع "سكاي نيوز عربية" إنّ "بسط سلطة الدولة يبدأ بإعادة ضبط عمل الأجهزة الأمنية ومنع أي تداخل في القرار"، معتبرا أنّ غياب هذه الخطوة يعيق أي خطة جدية.

ويضيف أنّ "أي محاولة لتغيير الواقع القائم قد تواجه بتوترات ميدانية، نظرًا لتعقيد البنية الأمنية القائمة".

من جهته، يرى الخبير الإحصائي والمحلل السياسي ربيع الهبر لموقع "سكاي نيوز عربية" أنّ "الضاحية تحتاج إلى خطة مستقلة عن بيروت الإدارية"، مشيرا إلى أنّ "واقعها يختلف بالكامل عن باقي مناطق العاصمة، ما يجعل أي انتشار أمني شامل أمرًا غير متاح في المدى القريب".